الذي هو توحيد الله وإفراده بالعبادات دون ما سواه، كيف يصدر منكم هذا وقد وجدت فيكم جميع أنواع عبادة الطاغوت؟ ولهذا قال: ﴿أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا﴾ أي: مما تظنون بنا، ﴿وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ وهذا من باب استعمال أفعل التفضيل فيما ليس في الطرف الآخر (¬١) مشاركة، كقوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٤]» (¬٢).
قوله: وقول الله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَسْجِدًا﴾ [الكهف: ٢١] والمراد أنهم فعلوا مع الفتية بعد موتهم ما يذم فاعله، لأن النبي ﷺ قال: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد» (¬٣). أراد تحذير أمته أن يفعلوا كفعلهم (¬٤).
الثاني عشر: قوله: عن أبي سعيد الخدري: إن رسول الله ﷺ قال: «لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه». قالوا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: «فمن؟». أخرجاه (¬٥)، وهذا سياق مسلم.
قوله: «سنن» بفتح المهملة، أي طريق من كان قبلكم، قال المهلب: «الفتح أولى»، قوله: «حذو القذة بالقذة» بنصب حذو على المصدر و (القُدَّة) بضم القاف واحدة القذذ (¬٦) وهو ريش السهم، أي: لتتبعن طريقهم في كل ما فعلوه، وتشبهوهم في ذلك كما تشبه قذة السهم القذة الأخرى. وبهذا تظهر مناسبة الآيات للترجمة وقد وقع كما أخبر، وهو عَلم من أعلام النبوة، قوله: «حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه» (٥) وفي حديث آخر: «حتى لو كان فيهم من يأتي أمه علانية لكان في أمتي من يفعل ذلك» (¬٧). أراد ﷺ أن أمته لا تدع شيئًا مما كان