تَعَالَى (¬١): وَقد سَمَّى الله رَسُولَهُ (¬٢) ﷺ بِعَبْدِهِ في أَشْرَفِ مَقَامَاتِهِ فَقَالَ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ [الكهف: ١]، ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ [الجن: ١٩]، ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء: ١] فسماه عبدًا عند إنزاله عليه، وعند قيامه في الدعوة وإسرائه به، وأرشده إلى القيام بالعبادة في أوقات يضيق فيها صدره (¬٣) من تكذيب المخالفين، حيث يقول: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٩٧) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (٩٨) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٧ - ٩٩] (¬٤).
قال الشوكاني: «والمعنى نخصك بالعبادة ونخصك بالاستعانة لا نعبد غيرك ولا نستعينه، والعبادة أقصى غايات الخضوع والتذلل» (¬٥).
في هذا الكلام فوائد
الأولى: معنى العبادة لغة وشرعًا، والثانية: معنى الاستعانة لغة وشرعًا، والثالثة: تقديم المعمول يفيد الحصر في الموضوعين: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، الرابعة: الدين كله يرجع إلى هذين المعنيين، الخامسة: الالتفات من الغيبة إلى الخطاب، السادسة: لا تصح صلاة من لم يقل: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ وما قبلها وما بعدها من الفاتحة، السابعة: السر في تقديم ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ على ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، الثامنة: العبادة أشرف المقامات خلافًا لمن ظن العكس من الجاهلين من النصارى وأشباههم، التاسعة: من ضاق صدره فليبادر إلى العبادة.
قال محمد تقي الدين: قول الشوكاني: «والعبادة أقصى غايات الخضوع والتذلل»، إن كان يريد المعنى اللغوي فهو صحيح، قال تعالى في سورة المؤمنين حكاية عن موسى: ﴿فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ﴾