السنة إذا ظهرت لقول غيره كائنًا من كان، ولم يكن له معها قول البتة، فالأخذ بسنتهم ليس تقليدًا لهم بل اتباع له ﷺ، مع أنكم أول مخالف لهذين الحديثين، فإنكم لا ترون الأخذ بسنتهم واجبًا وليس قولهم عندكم حجة، وقد صرح بعض غلاتكم أنه لا يجوز تقليدهم ويجب تقليد إمامه، فمن العجائب احتجاكم بشيء أنتم أشد الناس له خلافًا، فالحديث بجملته حجة عليكم من كل وجه، فإنه أمر عند الاختلاف بسنته وسنة خلفائه، وأمرتم أنتم برأي فلان ومذهب فلان، وحذر من محدثات الأمور وأخبر أن «كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة» (¬١) ومعلوم أن ما أنتم عليه من التقليد الذي ترك له كتاب الله وسنة رسوله ويعرضان عليه ويجعل معيارًا عليهما من أعظم المحدثات والبدع، التي برّأ الله سبحانه القرون التي فضلها على غيرها منها.
وقد قال في نفس الحديث: «فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا» (¬٢) وهذا ذم للمختلفين وتحذير من سلوك سبيلهم، وإنما كثر الاختلاف بسبب التقليد؛ كل فرقة من أهله تنصر متبوعها وتذم من خالفها ولا يرون العمل بقولهم حتى كأنهم ملة أخرى، يدأبون في الرد عليهم ويقولون: كتبهم وكتبنا، وأئمتهم وأئمتنا ومذهبهم ومذهبنا (¬٣)، والنبي واحد والقرآن واحد والدين واحد والرب واحد، فالواجب على الجميع أن ينقادوا إلى كلمة سواء بينهم، وأن لا يطيعوا إلا الرسول ولا يجعلوا أقوال غيره كنصوصه، ولا يتخذ بعضهم بعضًا أربابًا من دون الله، فلو اتفقت كلمتهم على ذلك وتحاكموا إلى السنة وآثار الصحابة لقل الاختلاف، ولذا تجد أقل الناس اختلافًا أهل السنة والحديث لما بنوا على هذا.