فيكون ما أريد بالآية هنا، ما حكي عنه بقوله المذكور، والله أعلم.
ولما لم ينكر على القائل قومه ورضوا به، نُسبَتْ تلك العظيمة إلى الكل، كما يقال: بنو فلان قتلوا فلانًا، وإنما القاتل واحد منهم، و (غل اليد) و (بسطها) مجاز مشهور عن البخل والجود، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ [الإسراء: ٢٩] قالوا: والسبب فيه أن اليد آلة لأكثر الأعمال، لا سيما لدفع المال والإنفاقه، فأطلقوا اسم السبب على المسبب، وأسندوا الجود والبخل إلى اليد والبنان والكف والأنامل (¬١)، ويقال للبخيل: كز الأصابع، مقبوض الكف، جعد الأنامل.
وقوله تعالى: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾ دعاء عليهم بالبخل أو (¬٢) بالفقر والمسكنة، أو بغل الأيدي حقيقة، «يغلّون» أي: بشد (¬٣) أيديهم إلى أعناقهم (¬٤) أسارى في الدنيا ومسحوبين إلى النار في الآخرة ﴿وَلُعِنُوا﴾ أي: أبعدوا عن الرحمة فلا يوفقون للتوبة ﴿بِمَا قَالُوا﴾ من الكلمة الشنيعة التي لا تصح في حق الله حقيقة ولا مجازًا ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ أي: بأنواع العطايا المختلفة. وتثنية (¬٥) «اليد» مبالغة في الرد ونفي البخل عنه تعالى وإثباتًا لغاية الجود، فإن غاية ما يبذله السخي من ماله أن يعطيه بيده (¬٦) ﴿يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ تأكيد لما قبله، منبه على أن إنفاقه تابع لمشيئته المبنية على الحكم، التي عليها يدور المعاش والمعاد.
وههنا مباحث: الأول: ما زعمه الزمخشري ومن تابعه - من أن إثبات اليد لا يصح حقيقة له تعالى (¬٧) - فإنه نزغة كلامية اعتزالية.
قال الإمام ابن عبد البر في «شرح الموطأ»: «أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة، والإيمان بها، وحملها على