حاتم بسنده عن شاذان بن يحيى يقول في قول الله: ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ ليس الكلمة صارت عيسى، ولكن بالكلمة صار عيسى (¬١)، وهذا أحسن مما ادعى ابن جرير في قوله: ﴿أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾ أي أعلمها بها (¬٢)، كما زعمه في قوله: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٤٥] أي: يعلمك بكلمة منه، ويجعل ذلك كقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ [القصص: ٨٦] بل الصحيح أنها الكلمة التي جاء بها جبريل إلى مريم فنفخ فيها بإذن الله، فكان عيسى ﵇.
وقال البخاري (¬٣)، بسنده عن عبادة بن الصامت عن النبي ﷺ قال: «من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن الجنة حق، و [أنّ] (¬٤) النار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من «العمل»، وقوله: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ كقوله: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣] أي من خلقه، ومن عنده، وليست مِنْ للتبعيض كما تقوله النصارى (¬٥)، بل هي لابتداء الغاية، كما في الآية الأخرى، وأضيفت الروح إلى الله على وجه التشريف كما أضيفت الناقة والبيت إلى الله في قوله: ﴿هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ٧٣] وفي قوله: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ [الحج: ٢٦] وقوله: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ أي: فصدقوا بأن الله واحد أحد، لا ولد له، ولا صاحبة (¬٦)، واعلموا وتيقنوا بأن عيسى عبد الله ورسوله، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ﴾ أي: لا تجعلوا عيسى وأمه مع الله شريكين، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا، وهذه الآية والتي في سورة المائدة حيث يقول تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [المائدة: ٧٣]، وكما قال في آخر السورة المذكورة: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي﴾ [المائدة: ١١٦] الآية.