وهذه هي المسألة التي أفتى بها شيخ الإسلام ﵀ أعني: من سافر لمجرد زيارة قبور الأنبياء والصالحين - ونقل فيها (¬١) اختلاف العلماء، فمن مبيح لذلك كالغزالي وأبي محمد المقدسي ومن مانع لذلك كابن بطة وابن عقيل وأبي محمد الجويني (¬٢) والقاضي عياض، وهو قول الجمهور، نص عليه مالك ولم يخالفه أحد من الأئمة وهو الصواب، لما في «الصحيحين» عن أبي سعيد عن النبي ﷺ، قال: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى» (¬٣). فدخل في النهي شدها لزيارة القبور والمشاهد، فإما أن يكون نهيًا، وإما أن يكون نفيًا.
وجاء في رواية بصيغة النهي، فتعين أن يكون للنهي، ولهذا فهم منه الصحابة المنع، كما في «الموطأ» و «المسند» و «السنن»، عن بصرة (¬٤) بن أبي بصرة الغفاري أنه قال لأبي هريرة وقد أقبل من الطور: لو أدركتك قبل أن تخرج إليه لما خرجت، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تُعْمَل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى» (¬٥). وروى الإمام أحمد وعمر بن شبة في «أخبار المدينة» بإسناد جيد عن قَزَعَة قال: «أتيت ابن عمر، فقلت: إني أريد الطور، فقال: إنما تشد الرحال إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد المدينة، والمسجد الأقصى، فدع عنك الطور ولا تأته» (¬٦).