وَسَمِعْتُ بَعْضَ أَصْحَابِنَا يُحَدِّثُ عَنِ الأمِيْرِ دِرْبَاسٍ المِهْرَانِيُّ (¬١)، أَنَّهُ كَانَ دَخَلَ مَعَ الحَافِظِ إِلَى المَلِكِ العَادِلِ، فَلَمَّا قَضَى المَلِكُ كَلَامَهُ مَعَ الحَافِظُ جَعَلَ يَتَحَدَّثُ مَعَ الحَاضِرِيْنَ فِي أَمْرِ "مَارْدِيْنَ" (¬٢) وَحِصَارِهَا، وَكَانَ حَاصَرَهَا قَبْلَ ذلِكَ، فَسَمِعَ الحَافِظُ كَلَامَهُ، فَقَالَ: أَيْشٍ هَذَا، وأَنْتَ بَعْدُ تُرِيْدُ قِتَالَ المُسْلِمِيْنَ، مَا تَشْكُرُ اللّهَ فِيْمَا أَعْطَاكَ إِمَامًا؟، قَالَ: وَسَكَتَ المَلِكُ العَادِلُ، فَمَا أَعَادَ وَمَا أَبْدَى (¬٣)، ثُمَّ قَامَ الحَافِظُ وَقُمْتُ مَعَهُ، فَلَمَّا خَرَجْنَا قُلْتُ لَهُ: أَيْشٍ هَذَا؟ نَحْنُ كُنَّا نَخَافُ عَلَيْكَ مِنْ هَذَا الرَّجُلِ، ثُمَّ تَعْمَلُ هَذَا العَمَلَ؟ فَقالَ: أَنَا إِذَا رَأَيْتُ شَيْئًا لَا أَقْدِرُ أَصْبِرُ.
وَسَمِعْتُ أَبَا بَكْرِ بنِ أَحْمَدَ الطَّحَّانَ قَالَ: كَانَ فِي دَوْلَةِ الأفْضَلِ (¬٤) بنِ صَلَاحِ الدِّيْنِ قَدْ جَعَلُوا المَلَاهِيَ عِندَ دَرَج جَيْرُوْنَ (¬٥)، فَجَاءَ الحَافِظُ فَكَسَرَ شَيْئًا كَثيْرًا مِنْهَا، ثُمَّ جَاءَ فَصَعِدَ المِنْبَرَ يَقْرَأُ الحَدِيْثَ، فَجَاءَ إِلَيْهِ رَسُوْلٌ مِنَ القَاضِي يَأْمُرُهُ بالمَشْيِ إِلَيْهِ، يَقُوْلُ حَتَّى يُنَاظِرَهُ فِي الدِّفِّ وَالشَّبَّابَةِ، فَقَالَ الحَافُظُ: ذلِكَ عِنْدِي حَرَامٌ، وَقَالَ: أَنَا لَا أَمْشِي إِلَيْهِ، إِنْ كَانَ لَهُ حَاجَةٌ فَيَجِيْءُ هُوَ، ثُمَّ قَرَأَ الحَدِيْثَ، فَعَادَ الرَّسُوْلُ فَقَالَ: قَدْ قَالَ: لَابُدَّ مِنَ المَشْيِ