وأما التقييد بأن لا قرينة على إرادة الأُمة معه فمُخرج لِمَا إذا دلت قرينة على ذلك، فليس ذلك من محل النزاع أيضًا، مِثل: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق: ١]، الآية، فإن ضمير الجمع في: "طَلَّقْتُم" و"طَلِّقُوهُنَّ" قرينة لفظية تدل على أن الأُمة مقصودة معه بالحكم، وأنَّ تخصيصه بالنداء تشريفٌ له ﷺ؛ لأنه إمامهم وقدوتهم وسيدهم الذي يَصدر فِعلهم عن رأيه وإرشاده؛ ولذلك ابتدأ الشَّافعي ﵀ "كتاب الطلاق" بهذه الآية؛ لِمَا فهمه من عمومها.
وخطاب الواحد وإن كان قد يَرِد بصيغة جمع، نحو: ﴿قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا﴾ [المؤمنون: ٩٩، ١٠٠] إلَّا أنَّه مجاز، فلا يقدح في دعوى القرينة في نحو: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾، بل القرينة في مِثل ذلك قد توجد والضمير مفرد، نحو: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١]، الآية، فإن غير النبي ﷺ هذا الحكم أَوْلى منه به؛ ولهذا قال بعده: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢].
تنبيهات
الأول: عَكْس هذه المسألة - نحو "يا أيها الأُمة" - قال الهندي والقاضي عبد الوهاب: لايدخل قطعًا. كما سبق تقريره في مسألة: شمول ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الرسولَ.
الثاني: القائلون بشمول نحو ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ للأُمة لا يقولون: إنه باللغة، بل للعُرف في مِثله، حتَّى لو قام دليل على خروج النبي ﷺ مِن ذلك، كان من العام المخصوص. ولا يقولون: إنهم دخلوا بدليل آخَر؛ لأنه حينئذٍ ليس محل النزاع. فيتحد القولان.
الثالث: مما يظهر فيه ثمرة الخلاف في المسألة ما خرَّجه الحنفية على أصلهم مِن انعقاد