الأولى لعماد الدين زنكي صاحب سنجار والملك العادل، وتقدم السلطان بنفسه في النوبة الثانية، واشتد القتال وضاق بها الحال، ولما أيقنوا بأنهم ملكوا طلبوا الأمان وكفّوا عنهم. وكانت زوجة صاحب حصن بُرزية أختَ زوجة الإبرنس صاحب أنطاكية، وقد سُبيُت وخُبّيَت، فما زال السلطان يطلبُها حتى أظهروها وأحضروها، فمنَّ عليها بالإعتاق، وحل عنها وعَن زوجها قيد الوثاق، وأحضر أيضًا ابنة لهما وزوجها وعدّةً من أصحابهم، وأدخلهم معها في الإطلاق، وسَيّرَ معهم إلى أنطاكية مَنْ أوفدهم على أهلهم، فسرت بأختها زوجة البرنس. وأنعم السلطان [٥٩] بهذا الحصن على عز الدين المذكور عن قريب.
ذكْر فَتح قَلْعَة دَرْبِسَاك (¬١)
ولمّا رحل السلطان من حصن برزية عبَر من عند شقيف دركوش (¬٢) إلى شرقي العاصي، وجاء إلى جسر الحديد (¬٣) وأقام هناك أيامًا حتى تلاحق به العسكر، ثم سار إلى دربساك ونزل عليها يوم الجمعة الثامن من شهر رجب، وهي قلعة منيعة مرتفعة، وهي عُش الداوية، وقاتلها قتالًا شديدًا وضايَقها مضايقةً عظيمةً، وأمر بالنقب تحت برج، وتمكن النقب منها حتى وقع، وحمَوه بالرجال المقاتلة، ووقف في الثغرة رجال يحمونها عن من يصعد فيها (¬٤). قال صاحب النوادر (¬٥): ولقد شاهدتهم وكلما قتل منهم رجل قام غيره مقامه، وهم قيام عوض الجدار مكشوفين، إلى أن اشتدّ بهم الأمرُ حتى طلبوا الأمان، فأمنهم السلطان وشرط عليهم أن ينزلوا بأنفسهم وبثياب أبدانهم لا غير. فعند ذلك رقي عليها العلم الإسلاميّ يوم الجمعة أيضًا الثاني والعشرين من رجب، وأعطاها لعلم الدين سليمان بن جندر (¬٦)، ثم سار عنها بكرة السبت الثالث والعشرين (¬٧) من رجب متوجهًا إلى بُغَراس.