بحيث قد اتَّحَدَ (¬١) مرادُه ومرادُ محبوبه من نفسه، فأهانَ نفسَه موافقةً لإهانةِ محبوبه له، وأحبَّ أعداءَه لمَّا أشبههم محبوبُه في أذاه. وهذا وإن كانت الطِّباع تأْباه؛ لكنه مُوجَبُ الحبِّ التامِّ ومقتضاه.
وقالت فرقةٌ: بل الأذى مزيلٌ للحبِّ، فإنَّ الطِّباعَ مجبولةٌ على كراهة من يُؤذيها، كما أنَّ القلوبَ مجبولةٌ على حبِّ من يُحسِنُ إليها. وما ذكرَه أُولئك فدعوى منهم.
والإنصاف أن يُقال: يجتمعُ (¬٢) في القلب بغضُ أذى الحبيب وكراهتُه ومحبَّتُه من وجهٍ آخر، فيحبُّه ويُبغض أذاه، وهذا هو الواقع، والغالبُ منهما (¬٣) يوازي المغلوبَ ويبقى الحكم له، وقد كشفَ عن هذا المعنى الشاعرُ في قوله (¬٤):
ولو قُلْتِ طَأْ في النَّارِ أَعْلَمُ أنَّه ... رِضًا لكِ أو مُدْنٍ لنا مِنْ وِصَالِك
لقدَّمتُ رِجْلي نحوَها فَوَطِئْتُها ... هُدًى منكِ لي أو ضَلَّةً من ضَلالِك