وهذا حالُ أبي بكر وعمر، فإنهما احترزا عن أن يؤذيا أباها أو يريباه بشيء، فإنه عهد عهداً وأمرَ بأمْرٍ، فخافا إن غيَّرَا عهدَه وأمرَه؛ أن يغضب لمخالفة أمرِه وعهدِه ويتأذى بذلك.
وكلُّ عاقل يعلمُ أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ إذا حكَمَ بحُكْمٍ، وطلبَتْ فاطمةُ أو غيرُها ما يخالف ذلك الحكم، كان مراعاةُ حُكْمِ النبيِّ ﷺ أولى؛ فإن طاعتَه واجبةٌ، ومَعصِيتَه محرمةٌ، ومَن تأذى لطاعته كان مخطئاً في تأذيه بذلك، وكان الموافق لطاعته مصيباً في طاعته.
وهذا بخلاف مَن آذاها لغرضِ نفسه، لا لأجل طاعةِ اللَّه ورسولِه.
ومَن تدبَّرَ حالَ أبي بكر في رعايتِه لأمر النبي ﷺ، وأنه إنما قصدَ طاعةَ الرسولِ ﷺ لا أمراً آخر، يحكم أنَّ حالَه أكملُ وأفضلُ وأعلى من حالِ علي ﵄، وكلاهما سيِّدٌ كَبيرٌ من أكابر أولياء اللَّهِ المتقين، وحزبِ اللَّه المفلحين، وعبادِ اللَّه الصالحين، ومِن السابقين الأولين، ومِن أكابر المقربين، الذين يشربون بالتسنيم.
ولهذا كان أبو بكر ﵁ يقول: «واللَّه لَقَرابةُ رسولِ اللَّه ﷺ أحبُّ إليَّ أن أصل مِن قرابتي». وقال: «ارقُبُوا محمداً ﷺ في أهل بيته». رواه البخاري عنه.
لكنَّ المقصودَ أنه لو قُدِّرَ أنَّ أبا بكر آذاها، فلم يؤذِها لغرضِ نفسِه، بل ليطيعَ اللَّهَ ورسولَه، ويُوصِلَ الحقَّ إلى مُستحِقِّه.