نُزُولُ الْوَحيِ وإتْيَان المَلاَئِكَة
وبعد هذا نرجع إلى أفكار الصوفية الأخرى ومعتقداتهم الخاصة بهم , لنرى التشيع المتستر الظاهر فيها , وتأثيره خفيا جليا ليرى الباحث والقارئ منهل التصوف ومنبعه , مصدره ومأخذه.
فإن الشيعة يرون بأن النبوة لم تختم على محمد صلوات الله وسلامه عليه , حيث لم يكن وحده في زمانه الذي كان ينزل عليه الوحي , ويأتي إليه الملك , ويكلمه الله من وراء حجاب , بل كان هناك شخص آخر في زمانه وبعده , كان له تلك الأوصاف كلها , بل وأكثر منها.
حيث أن رسول الله محمد صلوات الله وسلامه عليه لم يكن يكلمه الله إلا وحيا , أو من وراء حجاب , أو بإرسال رسول , فيوحي بإذنه ما يشاء.
وأما الإمام فكان ينزل عليه الوحي , ويرسل إليه رسول , ويكلمه الله ويناجيه بلا حجاب , وقد أعطى خصالا لم يسبقه إليها أحد , ثم توارث هذه الأوصاف من خلفه بعده إلى خاتم الأئمة.
ولقد ورد في كتب الشيعة الإثني عشرية - لا في كتب الإسماعيلية (١) والغلاة (٢) - وفي أصحها عندهم ما ينصّ على ذلك مثل ما ذكر الكليني - وهو كالبخاري عند أهل السنة - في كافيّه (٣) عن جعفر الصادق - الإمام المعصوم السادس لدى القوم - أنه قال:
(ما جاء به عليُّ ﵇ آخذ به وما نهى عنه انتهى عنه , جرى له من الفضل مثل ما جرى لمحمد ﵌ ولمحمد ﵌ الفضل على جميع من خلق الله ﷿ , المتعقّب عليه في شيء من أحكامه كالمتعقب على الله وعلى رسوله والراد عليه في صغيرة أو كبيرة على حدّ الشرك بالله , كان أمير المؤمنين ﵇ باب الله الذي لا يؤتى إلا منه , وسبيله الذي من سلك بغيره هلك , وكذلك يجري لأئمة الهدى واحداً بعد واحد , جعلهم الله أركان الأرض أن تميد بأهلها وحجته البالغة على من فوق الأرض ومن تحت الثرى , وكان أمير المؤمنين صلوات الله عليه كثيراً ما