إدخال صدق , بأن يكون ذلك الإدخال بك , معتمدا فيه على حولك وقوتك , متبرئا من حولي وقوتي ومن شهود نفسي.
(وأخرجني) منها (مخرج صدق) أي إخراج صدق , بأن أكون مأذونا فيه بإذن خاص , مصحوبا بالخشية وسر الإخلاص , وهذا معنى قوله [ليكون نظري إلى حولك وقوتك إذا أدخلتني] في الأشياء [وإنقيادي إليك إذا أخرجتني] منها.
(وأجعل لي من لدنك) أي من مستبطن أمورك بلا واسطة ولا سبب (سلطانا) أي برهانا قويا , وليس ذلك إلا وارد قويّ من حضرة قهار لا يصادمه شيء ألا دمغه , فيحق الحق ويزهق الباطل , ويكون ذلك السلطان ينصرني ولا ينصر عليّ , أي ينصرني على الغيبة عن الحس وعن شهود السوى حتى نبعد عنهما برؤية مولاهما ولا ينصر على الوهم والحس وشهود الغيرية.
ثم بين ذلك فقال: [ينصرني على شهود نفسي] أي يقويني على الغيبة عنها فإذا انتصرت على شهودها انهزم عني وذهب شهودها وبقي شهود ربها , فالنصرة على الشيء هو غلبته حتى يضمحل وينقطع وكأن شهود النفس عدو يحاربك ويقطعك عن شهود ربك , فإذا نصرك الله عليه ودفعته عنك , فتتصل حينئذ بشهود محبوبك , وإذا فني شهود النفس فني حينئذ وجود الحس , وهو معنى قوله [ويفنيني عن دائرة حسي] فإذا فنيت دائرة الحس بقي متسع المعاني وقضاء الشهود , وهذه هي الولادة الثانية , فإن الإنسان بعد أن خرج من بطن أمه وهي الولادة الأولى بقي مسجونا بمحيطاته , محصورا في هيكل ذاته , قد التقمه الهوى , وصار في بطن الحس والوهم. وسجن الأكوان المحيطة بجسمانيته , فإذا فنيت دائرة حسه وخرج من بطن عوائده وشهوات نفسه , نقبت روحه الكون بأسره , وخرجت إلى شهود مكونها فقد ولد مرة ثانية , وهذه الولادة لا يعقبها فناء ولا موت) (١).
وقال الشعراني ناقلا عن سيده علي الخواص في تفسيره قول الله ﷿:
((إن الذين قالوا ربنا الله) كمّل الأنبياء (ثم استقاموا) محمد ﷺ (تتنزل عليهم الملائكة) عامة النبيين (أن لا تخافوا ولا تحزنوا) كمّل العارفين (وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون) جميع المؤمنين فقد بيّنت هذه الآية مراتب الكمّل , كما بيّنت التي تليها صفاتهم وأحوالهم. وهذه الآية من الجوامع.