فَخَرَجَ الَّذِي أكْرَهُ فَنادَيْتُهُمْ بالأمَانِ فوَقَفُوا فرَكِبْتُ فَرَسِي حتَّى جئْتَهُمْ ووقَعَ فِي نَفْسِي حِينَ لَقيتُ مَا لَقِيتُ مِنَ الحَبْسِ عَنْهُمْ أنْ سَيَظْهَرُ أمْرُ رسُولِ الله ﷺ فقُلْتُ لَهُ أنَّ قَوْمَكَ قدْ جعَلُوا فِيكَ الدِّيَّةَ وأخْبَرْتُهُمْ أخْبَارَ مَا يُرِيدُ النَّاسُ بِهِمْ وعَرَضْتُ عَلَيْهِمْ الزَّادَ والْمَتاعَ فلَمْ يَرْزآنِي ولَمْ يَسْألَانِي إلَاّ أنْ قالَ أخْفِ عَنَّا فَسألْتُهُ أنْ يَكْتُبَ لِي كِتَابَ أمْنٍ فأمَرَ عامِرَ بن فُهَيْرَةَ فكَتَبَ فِي رُقْعَةٍ مِنْ أدِيمٍ ثُمَّ مَضَى رسُولُ الله ﷺ: قَالَ ابنُ شِهابٍ فأخْبَرَنِي عُرْوَةُ بنُ الزبَيْرِ أنَّ رسُولَ الله ﷺ لَقِيَ الزُّبَيْرَ فِي رَكْبٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ كانُوا تجارَاً قافِلِينَ مِنَ الشَّأمِ فكَسَا الزُّبَيْرُ رسُولَ الله ﷺ وأبَا بَكْرٍ ثِيَابَ بَيَاضٍ وسَمِعَ المُسْلِمُونَ بالْمَدِينَةِ مَخْرَجَ رسُولِ الله ﷺ مِنْ مَكَّةَ فكانُوا يغْدُونَ كلَّ غَداةٍ إلَى الحَرَّةِ فيَنْتَظِرُونَهُ حتَّى يَرُدَّهُمْ حَرُّ الظَّهِيرَةِ فانْقَلَبُوا يَوْمَاً بَعْدَ مَا أطَالُوا انْتِظَارَهُمْ فلَمَّا أووْا إِلَى بيُوتِهِمْ أوْفى رَجُلٌ مِنْ يَهُودَ علَى أُطمٍ مِن آطامِهِمْ لأمْرٍ يَنْظُرُ إلَيْهِ فبَصُرَ بِرَسُولِ الله ﷺ وأصْحَابِهِ مُبَيَّضِينَ يَزُولُ بِهِمُ السَّرَابُ فلَمْ يَمْلِكِ اليَهُودِيُّ أنْ قالَ بأعْلَى صَوْتِهِ يَا مَعْشَرَ العَرَبِ هذَا جدُّكُمْ الَّذِي تَنْتَظِرُونَ فَثارَ المُسْلِمُونَ إِلَى السِّلاحِ فتَلَقَّوْا رسُولَ الله ﷺ بِظَهْرِ الحَرَّةِ فعَدَلَ بِهِمْ ذَاتَ اليَمِينِ حتَّى نَزَلَ بِهِمْ فِي بَنِي عَمْرِو بنِ عَوْفٍ وذَلِكَ يَوْمَ الإثْنَيْنِ مِنْ شَهْرِ رَبِيعِ الأوَّلِ فقامَ أبُو بَكْرٍ لِلنَّاسِ وجَلَسَ رَسُولُ الله ﷺ صامِتَاً فَطَفِقَ مَنْ جَاءَ مِنَ الأنْصَارِ مِمَّنْ لَمْ يَرَ رَسُولَ الله ﷺ يُحَيِّي أبَا بَكْرٍ حَتَّى أصَابَتْ الشَّمْسُ رسُولَ الله ﷺ فأقْبَلَ أبُو بَكْرٍ حَتَّى ظَلَّلَ علَيْهِ بِرِدَائِهِ فعَرَفَ النَّاسُ رسُولَ الله ﷺ عِنْدَ ذَلِكَ فلَبِثَ رسُولُ الله ﷺ فِي بَنِي عَمْرِو بنِ عَوْف بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً وأُسِّسَ المَسْجِدُ الَّذِي أُسِّسَ علَى التَّقْوَى وصَلَّى فِيهِ رَسُولُ الله ﷺ ثُمَّ رَكِبَ رَاحِلَتَهُ فَسارَ يَمْشِي معَهُ النَّاسُ حَتَّى برَكَتْ عِنْدَ مَسْجِدِ الرَّسُولِ ﷺ بالمَدِينَةِ وهْوَ يُصَلِّي فِيهِ يَوْمَئِذٍ رِجَالٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وكانَ مِرْبَدَاً لِلتَّمْرِ لِسُهَيْلٍ وسَهْلٍ غُلامَيْنَ يَتِيمَيْنِ فِي حَجْرِ أسْعَدَ بنِ زُرَارَةَ فقالَ رَسُولُ الله ﷺ حِينَ بَرَكَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ هاذَا إنْ شَاءَ الله المنْزِلُ ثُمَّ دَعا رسُولُ الله ﷺ الْغُلامَيْنِ فَساوَمَهُمَا بالمِرْبَدِ لِيَتَّخِذَهُ مَسْجِدَاً فَقالَا بَلْ نَهَبُهُ لَكَ يَا رَسُولَ الله فأبَى رسُولُ الله ﷺ أنْ يَقْبَلَهُ مِنْهُمَا هِبَةً حتَّى ابْتاعَهُ مِنْهُمَا ثُمَّ بَناهُ مَسْجِدَاً وطَفِقَ رسُولُ الله ﷺ يَنْقُلُ مَعَهُمْ اللَّبَنِ فِي بُنْيَانِهِ ويَقُولُ وهْوَ يَنْقُلُ اللَّبِنَ:
(هاذَا الحِمالُ لَا حِمالَ خَيْبَرْهاذَا أبَرَّأ ربَّنا وأطْهَرْ)
ويَقُولُ:
(أللَّهُمَّ إنَّ الأجْرَ أجْرُ الآخِرَهْفارْحَمْ الأنْصَارَ والمهاجِرَهْ)
فتَمَثَّلَ بِشِعْرِ رَجُلٍ مِنَ المُسْلِمينَ لَمْ يَسُمَّ لِي قَالَ ابنُ شِهابٍ ولَمْ يَبْلُغْنا فِي الأحَادِيثِ أنَّ رَسُولَ الله ﷺ تَمَثَّلِ بِبَيْتِ شِعْرٍ تامٍّ غَيْرَ هَذَا الْبَيْتِ.