أَبُو دَاوُد فِي الطِّبّ عَن مُحَمَّد بن المتَوَكل الْعَسْقَلَانِي وَغَيره. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى.
قَوْله: (لَا عدوى) أَي: لَا سرَايَة للمرض عَن صَاحبه إِلَى غَيره، وَقد مر تَحْقِيقه غير مرّة، وَكَذَا مر تَفْسِير قَوْله: (وَلَا صفر وَلَا هَامة) فِي: بَاب الجذام. قَوْله: (فَمَا بَال الْإِبِل) بِالْبَاء الْمُوَحدَة أَي: فَمَا شَأْنهَا. قَوْله: (كَأَنَّهَا الظباء) بِكَسْر الظَّاء الْمُعْجَمَة جمع ظَبْي، شبهها بهَا فِي صفاء بدنهَا وسلامتها من الجرب وَغَيره من الأدواء. قَوْله: (فيخالطها) من المخالطة، يَعْنِي: يدْخل الْبَعِير الأجرب بَين الْإِبِل الصِّحَاح عَن الجرب فيجربها، بِضَم الْيَاء، يَعْنِي: يعدي جربه إِلَيْهَا فتجرب. قَوْله: فَمن أعدى الأول؟ أَي من أجرب الْبَعِير الأُول، يَعْنِي مِمَّن سرى إِلَيْهِ الجرب؟ فَإِن قلت: من بعير آخر يلْزم التسلسل، وَإِن قلت: بِسَبَب آخر، فَعَلَيْك بَيَانه، وَإِن قلت: إِن الَّذِي فعله فِي الأول هُوَ الَّذِي فعله فِي الثَّانِي، ثَبت الْمُدَّعِي، وَهُوَ أَن الَّذِي فعل فِي الْجَمِيع ذَلِك هُوَ الله الْخَالِق الْقَادِر على كل شَيْء، وَهَذَا جَوَاب من النَّبِي ﷺ فِي غَايَة البلاغة والرشاقة.
٥٧٧١ - حدّثنا وعنْ أبي سَلَمَةَ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ بَعْدُ يَقُولُ: قَالَ النبيُّ ﷺ: لَا يُورِدَنَّ مُمْرِضٌ على مُصِحٍّ. وأنْكَرَ أبُو هُرَيْرَةَ حَدِيثَ الأوَّلِ، قُلْنا: ألَمْ تُحَدِّثْ أنَّهُ لَا عَدْوى؟ فَرَطَنَ بالحَبَشِيَّةِ.
قَالَ: أبُو سلَمَةَ: فَما رأيْتُهُ نسيَ حَدِيثاً غَيْرَهُ. (انْظُر الحَدِيث: ٥٧٧١ طرفه فِي: ٥٧٧٤) .
قَوْله: وَعَن أبي سَلمَة سمع أَبَا هُرَيْرَة، عطف على قَوْله: عَن أبي سَلمَة عَن أبي هُرَيْرَة. قَوْله: (بعد) أَي بعد أَن سمع مِنْهُ لَا عدوى إِلَى آخِره. يَقُول: قَالَ النَّبِي ﷺ: (لَا يوردن ممرض) إِلَى آخِره. قَوْله: (لَا يوردن) بنُون التَّأْكِيد للنَّهْي عَن الْإِيرَاد وَفِي رِوَايَة مُسلم: لَا يُورد، بِلَفْظ النَّفْي وَهُوَ خبر بِمَعْنى النَّهْي، ومفعول: لَا يوردن مَحْذُوف تَقْدِيره: لَا يوردن ممرض مَاشِيَة على مَاشِيَة مصح. قَوْله: (ممرض) بِضَم الْمِيم الأولى وَسُكُون الثَّانِيَة وَكسر الرَّاء وبالضاد الْمُعْجَمَة، وَهُوَ اسْم فَاعل من الإمراض من أمرض الرجل إِذا وَقع فِي مَاله آفَة، وَالْمرَاد بالممرض هُنَا الَّذِي لَهُ إبل مرضى. قَوْله: (على مصح) بِضَم الْمِيم وَكسر الصَّاد الْمُهْملَة وَتَشْديد الْحَاء، وَهُوَ الَّذِي لَهُ إبل صِحَاح، والتوفيق بَين الْحَدِيثين بِمَا قَالَه ابْن بطال وَهُوَ: أَن لَا عدوى، إِعْلَام بِأَنَّهَا لَا حَقِيقَة لَهَا، وَأما النَّهْي فلئلا يتَوَهَّم المصح أَن مَرضهَا من أجل وُرُود المرضى عَلَيْهَا فَيكون دَاخِلا بتوهمه ذَلِك فِي تَصْحِيح مَا أبْطلهُ النَّبِي ﷺ من الْعَدْوى. وَقَالَ النَّوَوِيّ: المُرَاد بقوله: (لَا عدوى) يَعْنِي: مَا كَانُوا يعتقدونه أَن الْمَرَض يعدي بطبعه، وَلم ينف حُصُول الضَّرَر عِنْد ذَلِك بقدرة الله تَعَالَى وَجعله، وَبِقَوْلِهِ: (لَا يوردن) الْإِرْشَاد إِلَى مجانبة مَا يحصل الضَّرَر عِنْده فِي الْعَادة بِفعل الله وَقدره، وَقيل: النَّهْي لَيْسَ للعدوى بل للتأذي بالرائحة الكريهة وَنَحْوهَا. قَوْله: (وَأنكر أَبُو هُرَيْرَة الحَدِيث الأول) وَهُوَ قَوْله: (لَا عدوى) إِلَى آخِره، وَوَقع فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي والسرخسي: حَدِيث الأول، بِالْإِضَافَة وَهُوَ من قبيل قَوْلهم: مَسْجِد الْجَامِع. قَوْله: (قُلْنَا ألم تحدِّث) عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: (لَا عدوى) الخ ... الْقَائِل أَبُو سَلمَة وَمن مَعَه فِي ذَلِك الْوَقْت أَي: قُلْنَا لأبي هُرَيْرَة ألم تحدث عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: لَا عدوى إِلَى آخِره. قَوْله: (فرطن بالحبشية) قَالَ الْكرْمَانِي: أَي تكلم بالعجمية أَي: تكلم بِمَا لَا يفهم، وَالْحَاصِل فِي ذَلِك أَنه غضب فَتكلم بِمَا لَا يفهم، وَلَا رطانة بالحبشية هُنَا حَقِيقَة. قَوْله: (فَمَا رَأَيْته) أَي: أَبَا هُرَيْرَة. قَوْله: (غَيره) أَي: غير الحَدِيث الَّذِي هُوَ قَوْله: لَا عدوى إِلَى آخِره.
فَإِن قلت: قد مضى فِي: بَاب حفظ الْعلم، أَن أَبَا هُرَيْرَة قَالَ: فَمَا نسيت شَيْئا بعده أَي: بعد بسط الرِّدَاء بَين يَدي رَسُول الله ﷺ. قلت: هُوَ قَالَ: مَا رَأَيْته نسي، وَلَا يلْزم من عدم رُؤْيَته النسْيَان نسيانه. وَقَالَ فِي (صَحِيح مُسلم) بِهَذِهِ الْعبارَة: لَا أَدْرِي أنسي أَبُو هُرَيْرَة أَو نسخ أحد الْقَوْلَيْنِ الآخر، وَقَالَ ابْن التِّين: لَعَلَّ أَبَا هُرَيْرَة كَانَ سمع هَذَا الحَدِيث قبل أَن يسمع من النَّبِي ﷺ حَدِيث: من بسط رِدَاءَهُ ثمَّ ضمه إِلَيْهِ لم ينس شَيْئا سَمعه من مَقَالَتي، وَقيل: المُرَاد أَنه لَا ينسى تِلْكَ الْمقَالة الَّتِي قَالَهَا ذَلِك الْيَوْم، لَا أَنه يَنْتَفِي عَنهُ النسْيَان أصلا، وَقيل: كَانَ الحَدِيث الثَّانِي نَاسِخا للْأولِ فَسكت عَن الْمَنْسُوخ، وَفِيه نظر لَا يخفى.
٥٤ - (بابٌ لَا عَدْواى)