أخرجه مُسلم من طَرِيق نَافِع عَن ابْن عمر رَفعه: إِن أحب الْأَسْمَاء إِلَى الله ﷿، عبدا الله، وَعبد الرَّحْمَن. قلت: هَذَا غير لفظ التَّرْجَمَة بِعَينهَا، وَلَكِن يعلم مِنْهُ أَن أحب الْأَسْمَاء إِلَى الله ﷿ عبد الله وَعبد الرَّحْمَن، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: يلْحق بِهَذَيْنِ الإسمين مَا كَانَ مثلهمَا: كَعبد الرَّحِيم وَعبد الْملك وَعبد الصَّمد، وَإِنَّمَا كَانَت أحب إِلَى لِأَنَّهَا تَضَمَّنت مَا هُوَ وصف وَاجِب لله تَعَالَى، وَمَا هُوَ وصف للْإنْسَان وواجب لَهُ وَهُوَ الْعُبُودِيَّة، وَقيل: الْحِكْمَة فِي الِاقْتِصَار على الإسمين وهما لَفْظَة الله وَلَفظ الرَّحْمَن، لِأَنَّهُ لم يَقع فِي الْقُرْآن إِضَافَة عبد إِلَى إسم من أَسمَاء الله تَعَالَى غَيرهمَا قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَأَنه لما قَامَ عبد الله يَدعُوهُ﴾ (الْجِنّ: ١٩) وَقَالَ فِي آيَة أُخْرَى: ﴿ (٥٢) وَعباد الرَّحْمَن﴾ (الْفرْقَان: ٦٣) وَيُؤَيِّدهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿قل ادعوا الله أَو ادعوا الرَّحْمَن﴾ (الْإِسْرَاء: ١١٠) .
٦١٨٦ - حدَّثنا صَدَقَةُ بنُ الفَضْلِ أخبرنَا ابنُ عُيَيْنَةَ حَدثنَا ابنُ المُنْكَدِرِ عَنْ جابِر ﵁ قَالَ: وُلِدَ لِرَجُلٍ مِنَّا غُلامٌ فَسَمَّاهُ القاسِمَ، فَقُلْنا: لَا نَكْنِيكَ أَبَا القاسِمِ وَلَا كَرامَةَ، فأخْبِرَ النبيُّ ﷺ، فَقَالَ: سَمِّ ابْنَكَ عَبْدَ الرَّحْمان.
مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (سم ابْنك عبد الرَّحْمَن) لِأَن عبد الرَّحْمَن من أحب الْأَسْمَاء إِلَى الله ﷿، كَمَا مضى الْآن فِي حَدِيث مُسلم، وَلِأَنَّهُ لَو كَانَ إسم أحب مِنْهُ لأَمره بذلك، وَالْغَالِب أَنه لَا يَأْمر إلَاّ بالأكمل، وَلَقَد تعسف الْكرْمَانِي فِي وَجه الْمُطَابقَة حَيْثُ قَالَ: جَاءَ فِي رِوَايَة أُخْرَى: أحب الْأَسْمَاء إِلَى الله عبد الرَّحْمَن، وَهَذَا كَمَا ترى بَيَان وَجه الْمُطَابقَة من حَدِيث غير حَدِيث الْبَاب، وَقَالَ أَيْضا: أَو الأحب، بِمَعْنى المحبوب، وَهَذَا خُرُوج عَن ظَاهر معنى اللَّفْظ.
وَابْن عُيَيْنَة هُوَ سُفْيَان ابْن عُيَيْنَة، وَابْن الْمُنْكَدر هُوَ مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر.
والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الاسْتِئْذَان عَن عَمْرو النَّاقِد وَغَيره.
قَوْله: (وَلَا كَرَامَة) بِالنّصب أَي: لَا نكرمك كَرَامَة. قَوْله: (فَأخْبر النَّبِي ﷺ بِضَم الْهمزَة على الْبناء للْمَجْهُول ويروى بِالْبِنَاءِ للْفَاعِل.
١٠٦ - (بابُ قَوْلِ النبيِّ ﷺ: سَمُّوا بإسْمِي وَلَا تَكْتَنُوا بِكُنْيَتِي، قالَهُ أنَسٌ عَنِ النبيِّ ﷺ
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان قَول النَّبِي ﷺ: سموا أَمر من سمى يُسَمِّي تَسْمِيَة، وَلَا تكتنوا من الاكتناء، والكنية كل مركب إضافي صَدره أَب أَو أم كَأبي بكر وَأم كُلْثُوم. قَوْله: قَالَه أنس، أَي: قَالَ أنس مَا قَالَه النَّبِي ﷺ، وَمضى هَذَا التَّعْلِيق مَوْصُولا فِي كتاب الْبيُوع فِي: بَاب مَا ذكر فِي الْأَسْوَاق. قَالَ البُخَارِيّ: حَدثنَا آدم بن أبي إِيَاس حَدثنَا شُعْبَة عَن حميد الطَّوِيل عَن أنس بن مَالك ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِي ﷺ، فِي السُّوق فَقَالَ رجل: يَا أَبَا الْقَاسِم، فَالْتَفت إِلَيْهِ النَّبِي ﷺ، فَقَالَ: إِنَّمَا دَعَوْت هَذَا، فَقَالَ النَّبِي ﷺ: سموا بإسمي وَلَا تكتنوا بكنيتي. وَهَذَا الْبَاب فِيهِ خلاف.
وَقد عقد الطَّحَاوِيّ فِي هَذَا بَابا وَطول فِيهِ من الْأَحَادِيث والمباحث الْكَثِيرَة. فَأول مَا روى حَدِيث عَليّ ﵁ قَالَ: قلت: يَا رَسُول الله! إِن ولد لي ولد أُسَمِّيهِ بإسمك وأكنيه بكنيتك؟ قَالَ: نعم. قَالَ: وَكَانَت رخصَة من رَسُول الله ﷺ لعَلي ﵁ ثمَّ قَالَ: فَذهب قوم إِلَى أَنه لَا بَأْس بِأَن يكتني الرجل بِأبي الْقَاسِم، وَأَن يتسمى مَعَ ذَلِك بِمُحَمد، وَاحْتَجُّوا بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُور. قلت: أَرَادَ بالقوم هَؤُلَاءِ: مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة ومالكاً وَأحمد فِي رِوَايَة، ثمَّ افترق هَؤُلَاءِ فرْقَتَيْن، فَقَالَت فرقه، وهم مُحَمَّد ابْن سِيرِين وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَالشَّافِعِيّ: لَا يَنْبَغِي لأحد أَن يتكنى بِأبي الْقَاسِم كَانَ اسْمه مُحَمَّدًا أَو لم يكن، وَقَالَت فرقة أُخْرَى، وهم الظَّاهِرِيَّة وَأحمد فِي رِوَايَة: لَا يَنْبَغِي لمن تسمى بِمُحَمد أَن يتكنى بِأبي الْقَاسِم، وَلَا بَأْس لمن لم يتسم بِمُحَمد أَن يتكنى بِأبي الْقَاسِم. وَفِي حَدِيث الْبَاب عَن جَابر على مَا يَأْتِي النَّهْي عَن الْجمع بَينهمَا، أَعنِي: بَين الإسم والكنية، وَقيل: الْمَنْع فِي حَيَاته ﷺ للإيذاء، وَأبْعد بَعضهم فَمنع التَّسْمِيَة بِمُحَمد وروى سَالم بن أبي الْجَعْد: كتب عمر ﵁ إِلَى أهل الْكُوفَة: لَا تسموا باسم نَبِي، وروى أَبُو دَاوُد عَن الحكم بن عَطِيَّة عَن ثَابت عَن أنس رَفعه: تسمون أَوْلَادكُم مُحَمَّدًا ثمَّ تلعنوه؟ وَقَالَ الطَّبَرِيّ: يحمل النَّهْي على الْكَرَاهَة دون التَّحْرِيم، وَصحح الْأَخْبَار كلهَا وَلَا تعَارض وَلَا نسخ، وَكَانَ إِطْلَاقه لعَلي ﵁ فِي