(ص) : (مَالِكٌ عَنْ أَبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ أَنَّهُ بَلَغَهُ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِشُهَدَاءِ أُحُدٍ: هَؤُلَاءِ أَشْهَدُ عَلَيْهِمْ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁: أَلَسْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إخْوَانَهُمْ أَسْلَمْنَا كَمَا أَسْلَمُوا وَجَاهَدْنَا كَمَا جَاهَدُوا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: بَلَى وَلَكِنْ لَا أَدْرِي مَا تُحْدِثُونَ بَعْدِي فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ بَكَى ثُمَّ قَالَ: أَئِنَّا لَكَائِنُونَ بَعْدَك» ) .
ــ
[المنتقى]
يُجَاوَبَ بِهِ لِيَكُونَ لِلْمُجْتَهِدِ حَمْلُهُ عَلَى عُمُومِهِ أَوْ تَخْصِيصُهُ بِالدَّلِيلِ ثُمَّ أَعْلَمَهُ جِبْرِيلُ ﷺ أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يُعَجَّلَ تَخْصِيصُهُ بِالنَّصِّ عَلَيْهِ لِئَلَّا يَفُوتَ الْحُكْمُ فِيهِ بِأَنْ يَكُونَ السَّائِلُ إنَّمَا سَأَلَ لِيَسْتَبِيحَ الْأَخْذَ بِالدَّيْنِ وَلَا يَنْظُرُ فِي الْقَضَاءِ فَإِنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَانَ ذَلِكَ يُكَفِّرُ عَنْهُ مَا اكْتَسَبَهُ مِنْ أَخْذِهِ دَيْنًا لَمْ يَنْوِ قَضَاءَهُ فَيَتَعَجَّلْ عِنْدَ خُرُوجِهِ وَيَأْخُذْ الدَّيْنَ فَأَمَرَهُ جِبْرِيلُ ﵇ بِأَنْ يُعْلِمَهُ بِأَنَّ الدَّيْنَ لَيْسَ مِمَّا يُكَفِّرُهُ الْقَتْلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ اعْتَقَدَ حَمْلَ ذَلِكَ عَلَى الْعُمُومِ إمَّا لِاجْتِهَادِهِ أَوْ لِلَفْظٍ عَامٍّ وَرَدَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ فَأُوحِيَ إلَيْهِ عَلَى لِسَانِ جِبْرِيلَ ﵇ بِتَخْصِيصِ الدَّيْنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(ش) : قَوْلُهُ ﷺ لِشُهَدَاءِ أُحُدٍ هَؤُلَاءِ أَشْهَدُ عَلَيْهِمْ يَحْتَمِلُ أَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَشْهَدَ عَلَى ظَاهِرِ أُمُورِهِمْ مِنْ الْإِيمَانِ وَإِقَامِ الْعِبَادَاتِ وَالْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى وَاسْتِدَامَةِ ذَلِكَ إلَى أَنْ قُتِلُوا فِي مُجَاهَدَةِ عَدُوِّهِمْ وَأَنَّ غَيْرَهُمْ مِمَّنْ بَقِيَ بَعْدَهُ لَا يَشْهَدُ عَلَى اسْتِدَامَتِهِمْ لِذَلِكَ إلَى مَوْتِهِمْ لِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ بِمَا يُحْدِثُونَ بَعْدَهُ وَيُحْتَمَلُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ شَهِدَ عَلَى ظَاهِرِهِمْ بِمَا رَآهُ وَعَلَى بَاطِنِهِمْ بِمَا أُعْلِمَ بِهِ وَأُوحِيَ إلَيْهِ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ فِيمَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ مُنَافِقٌ لَمْ يَنْتَفِعْ بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ وَلَمْ يُنَجِّهِ مِنْ النَّارِ قِتَالُهُ بَيْنَ يَدَيْ النَّبِيِّ ﷺ كَمَا لَمْ يَنْتَفِعْ بِذَلِكَ قَزْمَانُ حَيْثُ أُعْلِمَ النَّبِيُّ ﷺ بِبَاطِنِهِ وَأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ مَعَ غَنَائِهِ وَانْتِفَاعِ الْمُسْلِمِينَ بِجِهَادِهِ وَاجْتِهَادِهِ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَنْفَعُ إلَّا مَعَ الْإِيمَانِ وَالنِّيَّةُ السَّالِمَةُ أَنْ يَكُونَ جِهَادُهُ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَعَلَى هَذَا لَمْ يَشْهَدْ لِمَنْ يَبْقَى بَعْدَهُ لِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ بِاسْتِدَامَتِهِمْ لِلظَّاهِرِ الصَّالِحِ وَلَمْ يَطَّلِعْ عِنْدَ مَوْتِهِمْ عَلَى أَنَّهُمْ خَتَمُوا عَمَلَهُمْ بِمَا يُرْضِي اللَّهَ تَعَالَى وَقَوْلُهُ لَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ لِمَنْ قُتِلَ فِي غَيْرِ أُحُدٍ وَلَا قَالَهُ لِمَنْ مَاتَ فِي زَمَنِهِ غَيْرَ مَقْتُولٍ فَلَوْ كَانَ هَذَا الْحُكْمُ يَثْبُتُ لِمَنْ اسْتَصْحَبَ لِظَاهِرِ الْعَمَلِ الصَّالِحِ إلَى أَنْ مَاتَ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ لَقَالَ: مَنْ مَاتَ فِي حَيَاتِي فَأَنَا أَشْهَدُ لَهُمْ وَلَمْ يَخُصَّ بِذَلِكَ أَهْلَ أُحُدٍ فَقَالَ هَؤُلَاءِ: أَنَا شَهِيدٌ عَلَيْهِمْ فَدَلَّ تَخْصِيصُهُمْ عَلَى أَنَّهُمْ قَدْ اخْتَصُّوا بِأَمْرٍ وَظَاهِرُهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ أُوحِيَ إلَيْهِ بِبَاطِنِهِمْ وَبِتَقَبُّلِ اللَّهِ تَعَالَى لِعِلْمِهِمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَصْلٌ) :
وَقَوْلُ أَبِي بَكْرٍ ﵁ أَلَسْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ بِإِخْوَانِهِمْ أَسْلَمْنَا كَمَا أَسْلَمُوا وَجَاهَدْنَا كَمَا جَاهَدُوا عَلَى وَجْهِ الْإِشْفَاقِ لِمَا رَأَى مِنْ تَخْصِيصِهِمْ بِحُكْمٍ كَانَ يَرْجُو أَنْ يَكُونَ حَظُّهُ مِنْهُ وَافِرًا وَأَنْ يَكُونَ حَظُّ جَمِيعِ مَنْ شَرِكَهُ فِيهِ مِنْ الصَّحَابَةِ ثَابِتًا فَقَالَ: إنَّ عَمَلَنَا كَعَمَلِهِمْ فِي الْإِيمَانِ الَّذِي هُوَ الْأَصْلُ وَالْجِهَادِ الَّذِي هُوَ آخِرُ عَمَلِهِمْ فَهَلْ تَكُونُ شَهِيدًا لَنَا كَمَا أَنْتَ شَهِيدًا لَهُمْ فَقَالَ ﷺ: بَلَى وَلَكِنْ لَا أَدْرِي مَا تُحْدِثُونَ بَعْدِي قَالَ قَوْمٌ: إنَّ الْخِطَابَ وَإِنْ كَانَ مُتَوَجِّهًا إلَى أَبِي بَكْرٍ فَإِنَّ الْمُرَادَ بِهِ غَيْرُهُ مِمَّنْ لَمْ يَعْلَمْ ﷺ بِمَا آلَ حَالُهُ وَعَمَلُهُ وَمَا يَمُوتُ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا أَبُو بَكْرٍ ﵁ فَقَدْ أُعْلِمَ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَالنَّبِيُّ ﷺ شَهِيدٌ لَهُ بِذَلِكَ لِظَاهِرِ عَمَلِهِ الصَّالِحِ وَلِمَا قَدْ أُوحِيَ إلَيْهِ وَأُعْلِمَ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ تَعَالَى عَنْهُ وَلَكِنَّهُ لَمَّا سَأَلَ أَبُو بَكْرٍ وَاعْتَرَضَ بِلَفْظٍ عَامٍّ وَلَمْ يَخُضَّ نَفْسَهُ بِالسُّؤَالِ عَنْ حَالِهِ كَانَ الْجَوَابُ عَامًّا وَقَدْ بَيَّنَ تَخْصِيصَهُ بِأَنَّهُ لَيْسَ مِمَّنْ يُحْدِثُ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ شَيْئًا مِمَّا يُحْبِطُ عَمَلَهُ بِمَا تَقَدَّمَ وَتَأَخَّرَ عَنْ هَذَا الْحَالِ مِنْ تَفْضِيلِ النَّبِيِّ ﷺ لَهُ وَإِخْبَارِهِ بِمَا لَهُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ الْخَيْرِ وَجَزِيلِ الثَّوَابِ وَكَرِيمِ الْمَآبِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ ﵁: وَيَحْتَمِلُ عِنْدِي وَجْهًا آخَرَ