مائةِ ألْفِ صلاةٍ فيما سِوَى مسجدِ النَّبِىِّ ﷺ. فأمَّا إن نَذَرَ الاعْتِكافَ فى المسجدِ الأقْصَى، جازَ له أن يَعْتَكِفَ فى المسجدَيْنِ الآخَرَيْنِ؛ لأنَّهما أفْضَلُ منه. وقد رَوَى الإمامُ أحمدُ، فى "مُسْنَدِه" (٢٠)، عن رِجالٍ من الأنْصارِ، من أصْحابِ النَّبِىِّ ﷺ، أنَّ رَجُلًا جاءَ إلى النَّبِىِّ ﷺ يَوْمَ الفَتْحِ، والنَّبِىُّ ﷺ فى مَجْلِسٍ قَرِيبًا من الْمَقَامِ، فسَلَّمَ على النَّبِىِّ ﷺ، وقال: يا نَبِىَّ اللهِ، إنِّى نَذَرْتُ لئِنْ فَتَحَ اللَّه لِلنَّبِىِّ ﷺ والمُؤْمِنِينَ مَكَّةَ، لأُصَلِّيَنَّ فى بَيْتِ المَقْدِسِ، وإنِّى وجدتُ رَجُلًا من أهْلِ الشَّامِ هاهُنا فى قُرَيْشٍ، مُقْبِلًا معى ومُدْبِرًا. فقال رسولُ اللهِ ﷺ: "هاهُنا فَصَلِّ". فقال الرَّجُلُ قولَهُ هذا ثلاثَ مَرَّاتٍ، كلُّ ذلك يقولُ النَّبِىُّ ﷺ: "هاهُنَا فَصَلِّ". ثم قال الرَّابِعَةَ مقَالَتَه هذه، فقال النَّبِىُّ ﷺ: "اذْهَبْ، فَصَلِّ فِيه، فَوَالَّذِى بَعَثَ مُحَمَّدًا بِالحَقِّ لَوْ صَلَّيْتَ هاهُنَا لَقَضَى عَنْكَ ذلِكَ كُلَّ صَلَاةٍ فى بَيْتِ المَقْدِسِ". ومتى نَذَر الاعْتِكافَ فى غيرِ هذه المساجِدِ، فانْهَدَمَ مُعْتَكَفُه، ولم يُمْكِن المُقامُ فيه، لَزِمَهُ إتْمَامُ الاعْتِكافِ فى غيرِه، ولم يَبْطُلِ اعْتِكافُه.
فصل: إذا نَذَرَ اعْتِكافَ يَوْمِ يَقْدَمُ فُلَانٌ. صَحَّ نَذْرُهُ، فإنَّ ذلك مُمْكِنٌ، فإن قَدِمَ فى بعضِ النَّهَارِ، لَزِمَهُ اعْتِكافُ البَاقِى منه، ولم يَلْزَمْهُ قَضاءُ ما فاتَ؛ لأنَّه فاتَ قبل شَرْطِ الوُجُوبِ، فلم يَجِبْ، كما لو نَذَرَ اعْتِكافَ زَمَنٍ ماضٍ. لكنْ إذا قُلْنا: شَرْطُ صِحَّةِ الاعْتِكافِ الصومُ. لَزِمَهُ قَضاءُ يَومٍ كامِلٍ؛ لأنَّه لا يُمْكِنُه أن يَأْتِىَ بالاعْتِكافِ فى الصَّوْمِ فيما بَقِىَ من النَّهارِ، ولا قَضَاؤُه مُتَمَيِّزًا ممَّا قبلَه، فلَزِمَه يَوْمٌ كامِلٌ ضَرُورَةً، كما لو نَذَرَ صومَ يَوْمِ يَقْدَمُ فُلَانٌ. ويَحْتَمِلُ أن يُجْزِئَه اعْتِكافُ ما بَقِىَ منه إذا كان صَائِمًا؛ لأنَّه قد وُجِدَ اعْتِكافٌ مع الصَّوْمِ. وإن قَدِمَ لَيْلًا، لم يَلْزَمْهُ