ثَالِثٌ كَانَ بِمَنْزِلَةِ ضِرَابِ الْفَحْلِ الَّذِي يَتَوَلَّدُ عَنْهُ الْوَلَدُ وَلِهَذَا يُقَسِّمُونَ الضَّرْبَ إلَى نَاتِجٍ وَعَقِيمٍ كَمَا يَنْقَسِمُ ضَرْبُ الْفَحْلِ لِلْأُنْثَى إلَى نَاتِجٍ وَعَقِيمٍ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ نَوْعَيْ ضَرْبِ الْمَثَلِ - وَهُوَ الْقِيَاسُ - تَارَةً يُرَادُ بِهِ التَّصْوِيرُ وَتَفْهِيمُ الْمَعْنَى وَتَارَةً يُرَادُ بِهِ الدَّلَالَةُ عَلَى ثُبُوتِهِ وَالتَّصْدِيقُ بِهِ فَقِيَاسُ تَصَوُّرٍ وَقِيَاسُ تَصْدِيقٍ فَتَدَبَّرْ هَذَا. وَكَثِيرًا مَا يُقْصَدُ كِلَاهُمَا فَإِنَّ ضَرْبَ الْمَثَلِ يُوَضِّحُ صُورَةَ الْمَقْصُودِ وَحُكْمَهُ.
وَضَرْبُ الْأَمْثَالِ فِي الْمَعَانِي نَوْعَانِ هُمَا نَوْعَا الْقِيَاسِ: " أَحَدُهُمَا " الْأَمْثَالُ الْمُعَيَّنَةُ الَّتِي يُقَاسُ فِيهَا الْفَرْعُ بِأَصْلِ مُعَيَّنٍ مَوْجُودٍ أَوْ مُقَدَّرٍ وَهِيَ فِي الْقُرْآنِ بِضْعٌ وَأَرْبَعُونَ مَثَلًا كَقَوْلِهِ: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ إلَى آخِرِهِ وَقَوْلِهِ: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ﴾ الْآيَةَ ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ﴾ . فَإِنَّ التَّمْثِيلَ بَيْنَ الْمَوْصُوفَيْنِ اللَّذَيْنِ يَذْكُرُهُمْ مِنْ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنْفِقِينَ الْمُخْلَصِينَ مِنْهُمْ وَالْمُرَائِينَ وَبَيْنَ مَا يَذْكُرُهُ سُبْحَانَهُ مِنْ تِلْكَ الْأَمْثَالِ