من إرث الأنبياء عليهم الصلاة والسلام الدعوة إلى الله
ويجب أن يرثهم في الدعوة إلى الله ﷿ سراً وعلناً، عموماً وخصوصاً، ولكن يجب أن يكون على بصيرة بالعلم، يكون عنده علم حقيقي، لا يأخذ العلم تناوشاً ثم يقول: أنا من أنا.
بعض طلبة العلم يأخذ العلم تناوشاً وإذا أدرك منه مسألةً واحدة قال: أنا من أنا، ثم صار يفتي ويتكلم ويقول ويزمجر، ومعلوم أن مثل هذا إذا جلس عند العامة فهو عندهم شيخ كبير عالم؛ لأن العامي لا يعرف شيئاً؛ لذلك يجب أن يكون عند الإنسان علم يستطيع به أن يدعو إلى الله على بصيرة، لا بد من هذا، ولكن دعوة حق، دعوة حكمة، ينظر إلى هدي النبي ﵊ في دعوة الخلق إلى الحق: أهي بالعنف والصرامة، أم هي باللين والحكمة؟ باللين والحكمة، واستمع إلى قول الله ﷿: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩] نسأل الله أن يلين قلوبنا لذكره ولإخواننا.
دعاهم باللين واللطف مع شدة غيرته ﵊، هو أشد الناس غيرة، لما أنزل الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور:٤] وكان سعد بن عبادة ﵁ من أشد الناس غيرة، قال: (يا رسول الله! أراه على امرأتي وأذهب آتي بأربعة شهداء؟!! والله لأضربنه بالسيف) انظر إلى كلام سعد! أي: يجد رجلاً على امرأته: (والله لأضربنه بالسيف غير مصفح) ما معنى غير مصفح؟ أي: أضربه بحده، أقطعه نصفين.
فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (ألا تعجبون من غيرة سعد؟ والله إني لأغير من سعد والله أغير مني) الشاهد: هو أن الرسول ﵊ هو أغير الناس، ومع ذلك كان في دعوته إلى الله يستعمل اللين والسهولة.
وسأضرب لكم مثلاً في قصة أعرابي دخل مسجد النبي ﷺ وتنحى ناحية وجلس يبول، في مسجد النبي ﷺ أشرف المساجد بعد المسجد الحرام، وعنده الرسول ﵊ والصحابة، زجره الناس وصاحوا به، ولكن الرسول ﵊ قال: (دعوه لا تزرموه) أي: لا تقطعوا عليه بوله، فتركوه امتثالاً لأمر النبي ﷺ، وهم يرون أن هذا الأمر منكر، فالمنكر منكر لكن كيف يكون التغيير؟!! لما انتهى من بوله أمر النبي ﷺ بدلوٍ من ماء فصب على البول، انتهت المفسدة الآن، المكان الذي تنجس بالبول صار الآن طاهراً، بقينا في علاج هذا الرجل الأعرابي، دعاه النبي ﵊ فقال له: (إن هذه المساجد لا يصلح فيها شيء من الأذى والقذر، إنما هي للتسبيح والتكبير وقراءة القرآن) أو كما قال ﵊.
فانشرح صدر الأعرابي لكلام الرسول ﵊، لكنه ضاق من وجهٍ آخر، ماذا قال؟ قال: اللهم ارحمني ومحمداً ولا ترحم معنا أحداً! لأن الرسول ﷺ عامله باللطف واللين فانشرح صدره، والصحابة ﵃ عاملوه بالشدة، وصاحوا به.
فتأمل! كيف بلغت هذه الكلمة من هذا الأعرابي إلى هذا المبلغ العظيم؟! إلى أن تحجر واسعاً يقول: اللهم ارحمني ومحمداً ولا ترحم معنا أحداً.
فالداعي إلى الله يجب أن يكون عنده علم بشريعة الله قبل كل شيء، ويجب أن يكون عنده حكمة كيف يعالج الأمور؟ كيف يدعو الناس؟ وليصبر على مضضٍ إذا رأى شخصاً على منكر وكان صياحه به يؤدي إلى نفوره، المقصود هو إصلاح الخلق، الطبيب الناصح يؤتى إليه بالمريض كله نتن، كله مرض، يصبر عليه، يصبر على نتنه، على مرضه، لأنه يريد علاجه، كذلك أنت تتعامل مع هذا الجاهل حسب ما يقتضيه جهله حتى تتمكن من قلبه؛ لأنك إذا تمكنت من قلبه انفتح لك وانشرح صدره.