تفسير قوله تعالى: (ولقد تركناها آية فهل من مدكر)
قوله: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر:١٥] ، قوله: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا﴾ كلمة الضمير هاء اختلف فيها المفسرون: هل المعنى: ولقد تركنا هذه القصة وهي قصة نوح وإغراق قومه آية لمن يأتي بعدهم هذا وجه.
والوجه الثاني: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا﴾ أي: السفينة، والمراد الجنس أي: جنس هذه السفينة أبقيناها آية لمن بعد نوح، وكلا الأمرين محتمل، والقاعدة في التفسير: أن الآية إذا احتملت معنيين لا ينافي بعضهما الآخر وليس أحدهما بأرجح من الآخر فإنها تحمل على المعنيين جميعاً.
فنقول: إن الله ترك القصة آية وعبرة لمن يأتي بعد نوح، ترك السفينة آية وعبرة يصنع مثلها من يأتي بعده، ويدل لهذا القول وأنه غير ممتنع: أن الضمائر أحياناً تعود إلى الجنس لا إلى الفرد، نظيره قول الله ﵎: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾ [المؤمنون:١٢-١٣] خلقنا الإنسان من سلالة من طين، ما المراد بالإنسان؟ آدم، ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً﴾ [المؤمنون:١٣] ليس آدم هو الذي جعل نطفة في قرار مكين، بل الإنسان الذي هو جنس آدم وهم بنو آدم، ومثل ذلك عند بعض العلماء قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُوماً لِلشَّيَاطِينِ﴾ [الملك:٥] ليست المصابيح التي في السماء هي التي ترجم الشياطين ولكنها شهب تخرج منها فترجم الشياطين.
قوله: ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر:١٥] الاستفهام هنا للتشويق، أي: هل أحد يدكر ويتعظ بما جرى للمكذبين بالرسل من إهلاكهم وتدميرهم؟ وقيل: إن الاستفهام للأمر، وأن المعنى: فادكروا، وسواء قلنا للتشويق أو للأمر، فإن الواجب علينا أن نتذكر، وأن نخشى من عقاب الله ﵎، وعقاب الله تعالى لهذه الأمة خاصة لا يمكن أن يشملهم جميعاً، لكن قد يشمل مناطق معينة تؤخذ بالعذاب بما فعله السفهاء منهم، كما قال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال:٢٥] .