[محظورات الاعتكاف]
وأمّا محظوراتُهُ الجِماعُ، ودَواعِيهِ، وبيانُ كونِ الخُروجِ مِنَ نقائِضِهِ، والجِماعُ مِن محظوراتِهِ يأتي بعدَ هذا.
وأمَا آدابُهَ: فأنْ لا يتكلمَ إِلاَّ بخيرِ، وأنْ يلاِزمَ بالِاعْتِكَافِ عَشرًا مِنْ رمضانَ، وأنْ يختارَ أفضلَ المساجدِ كالمسجدِ الحرامِ، والمسجدِ الجامعِ (¬١).
قولُه ﵀: (والصحيحُ أنُه سُنةٌ مٌؤَكَدَةٌ) (¬٢) احترازاً عمّا ذَكِرَ في مُخْتَصرُ القُدُوري (¬٣) بأنهُ مُستحبٌّ، ودليلُ ما ادّعاه بأنهُ سُنة مؤكدةً ظاهِرَ، وهو ما رُوِيَ في الْكِتَابِ مِن مُواظبةِ النبيِّ ﵊، فإنْ قلتْ: مُطلَقُ المواظبةِ يحُمل على المواظبةِ مِنْ غيرِ تَرْكٍ، فحينئذٍ كانَ هو دليلًا على الوجُوبِ لا على السَّنةِ، فحسبْ خصُوصًا ما رُوِيَ عن النبي ﵊: «أنهُ ما تَرَكَ الِاعْتِكَافَ حتى قُبِضَ» (¬٤)، فحينئذٍ كيفَ تَثْبُتُ المطابقةُ بينَ الدليلِ والمدلُولِ (¬٥).
قلت: نعم كذلك إِلاَّ أنّ النبَي ﵊ بعدَ المواظبةِ كانَ يأمُر في الوجوبِ بفعلهِ، وُينكِرُ علىَ تارِكِهِ، ولم يأمرِ الناسَ بهِ، ولم يُنكِرْ على تارِكِهِ فلو كانَ واجبًا لأنكرَ على ذلكَ/ دلّ أُنّهُ غيرُ واجبٍ، أشار إلى هذا في مبسوطِ شيخِ الإسلامِ، وذكر في «المَبْسُوط» (¬٦): الِاعْتِكَافَ قُرْبَةٌ مشروعةٌ بالكتابِ، والسُّنةِ أمّا الْكِتَابُ فقولُهُ تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ (¬٧)، فالإضافةِ إلى المساجدِ المختصةِ بالقُرْبِ، وتَرْكِ الوطئِ المُباح لِأجْلهِ دليلٌ على أنهُ قُرْبةٌ، وأمّا السُّنةُ لحديثِ أبي هريرةَ، وعائشةَ ﵂: «أنّ رسولَ اللهِ ﵊ كانَ يعتكِفُ في العشرِ الأواخِرِ منَ رمضانَ حين قَدِمَ المدينةَ إلى أنْ توفَّاهُ اللهُ تعالى» (¬٨)، وقال الزُّهري (¬٩) (¬١٠): عجبًا مِنَ الناسِ كيفَ تركوا الاعتكاف، ورسولُ الله ﵊ كانَ يفعلُ الشيءَ ويتُركُهُ، وما ترك الِاعْتِكَافُ حتى قُبِضَ، وفي الِاعْتِكَافِ تفريغُ القلبِ عن أمورِ الدَّنيا، وتسليمُ النفسِ إلى بارئِها، والتحصُّن بِحُصْنِ حَصِيْنٍ، وملازمةُ بيتِ اللهِ تعالى. قالَ عطاءُ ﵀ (¬١١): مَثَلُ المعتكِف كرُجلٍ لهُ حاجَةُ إلى عظيمٍ فيجلسُ على بابهِ، ويقولُ: لا أبرحُ حتى يقضيَ حاجِتي، فالمعتكفُ يجلسُ في بيتِ اللهِ، ويقولُ: لا أبرحُ حتى يغفَر اللهُ لي، فهوَ أشرفُ الأعمالِ إذا كانَ عن إخلاصٍ.