(وعن أبي يوسف ﵀ أنه قال: إن غطى أكثر رأسه فعليه دم، وإلا فعليه صدقة) لأن القليل من تغطية الرأس لا تتم به الجناية، والقلة والكثرة، وإنما يظهر بالمقابلة، وهذا أصل أبي يوسف في المسائل كذا في «المبسوط» (¬١).
(وقال مالك (¬٢) ﵀ "لا يجب إلا بحلق الكل").
فإنه أخذ بظاهر النص بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ﴾ (¬٣).
(وقال الشافعي (¬٤) ﵀: "يجب بحلق القليل").
فإنه أخذ بالاحتياط، وعلق الحكم باسم الجنس، ولحكم المعلق باسم الجنس يتأدّى بأدنى ما ينطلق عليه الاسم، فعامة مشايخنا حملوا هذه المسألة على المسح بالرأس في باب الوضوء، وهذا/ البناء غير صحيح؛ لأن الله أمر في باب المسح مقروناً بحرف الباء فقال: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ (¬٥)، والباء في المحل يقتضي التبعيض (أي البعضية أو الجزء وهي من كلمة بعض)، فصار كأنه قال: بعض رؤوسكم، وأما هاهنا فقد ذكر، ولا تحلقوا رؤوسكم فيكون المحظور بالنص كمال الرأس، والبعض لا يقوم مقامه إلا بدلالة كذا في «الأسرار» (¬٦).
(ولنا أن حلق بعض الرأس ارتفاق كامل؛ لأنه معتاد فتتكامل به الجناية، وتتقاصر فيما دونه).
ولله در (أسلوب تعجب مشوب بالمدح) المصنف ﵀ ما أحسن في العبارة، وألطف في الإشارة في قصر المباني، وتكثير المعاني حيث قال: (أقام الدليل بأول النكتة (¬٧)، وهو قوله: (لأنه معتاد) على إثبات مدعاة بأنه ارتفاق كامل، وبما يعقبه، وهو قوله: (فتتكامل به الجناية) أجاب عن حرف مالك، وبما تعقب ذلك، وهو قوله: (وتتقاصر فيما دونه) أجاب عن حرف الشافعي (¬٨) مع رعاية حسن الترتيب، ثُمَّ بيان قوله: (لأنه معتاد) فيما ذُكر في «المبسوط» (¬٩): (أن حلق بعض الرأس لمعنى الراحة، والزينة) معتاد؛ لأن الأتراك يحلقون أوساط رؤوسهم، وبعض العلوية يحلقون نواصيهم لابتغاء الراحة، والزينة، ويتكامل الجناية بهذا المقدار، والجناية المتكاملة يوجب الجبر بالدم.