وَذَكَرَ فِي "الأسرار" (¬١) فِي حَقِّ فَرْضِيَّةِ الْقَعْدَةِ الْأَخِيرَةِ، (فَقَالَ قَدْ ثَبَتَ بِاتِّفَاقِ الْأَخْبَارِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَا سَلَّمَ إِلَّا بَعْدَ الْقَعْدَةِ الْأَخِيرَةِ) (¬٢) وَالْأَمْرُ بِالصَّلَاةِ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، مُجْمَلٌ فَيَكُونُ فِعْلُهُ بَيَاناً لِمَا لَمْ (¬٣) يَثْبُتْ بِالْكِتَابِ؛ بِخِلَافِ الْقِرَاءَةِ، يَعْنِي لَمْ يَجْعَلْ مُوَاظَبَةَ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ، (بَيَانًا لِمُجْمَلِ الْكِتَابِ، لِمَا أَنَّ الْآيَةَ ظَاهِرَةٌ فِي حَقِّ الْقِرَاءَةِ، مُسْتَغْنِيَةٌ عَنْ بَيَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَكَانَ فِعْلُهُ، وَمُوَاظَبَتُهُ عَلَى قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ) (¬٤) زِيَادَةً عَلَى كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، لَوِ اقْتَضَى الْفَرْضِيَّةُ، وانَّهُ نَسْخٌ، وَلَيْسَ بِبَيَانٍ؛ فَلِذَلِكَ حُمِلَ فِعْلُهُ هُنَاكَ عَلَى بَيَانِ الْكَمَالِ، لِأَنَّ الْآيَةَ لَمْ تَتَعَرَّضْ لَهُ
قَوْلُهُ ﷺ: «إِذَا قُلْتَ هَذَا أَوْ فَعَلْتَ هَذَا فَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُكَ» (¬٥) قَالَ ﵀: (عَلَّقَ التَّمَامَ بِالْفِعْلِ قَرَأَ أَوْ لَمْ يَقْرَأْ).
لِأَنَّ مَعْنَاهُ إِذَا قُلْتَ وأنت قَاعِداً، أَوْ قَعَدْتَ (¬٦) وَلَمْ تَقُلْ شَيْئاً؛ لِأَنَّ قِرَاءَةَ التَّشَهُّدِ بِدُونِ فِعْلِ الْقُعُودِ لَا يُتَصَوَّر، فَصَارَ الْفِعْلُ أَصْلاً دُونَ الْقَوْلِ، كَذَا وَجَدْتُ بِخَطِّ الْأُسْتَاذِ مَوْلَانَا … فَخْرِ الدِّينِ ﵀ يَعْنِي أَنَّ تَمَامَ (¬٧) الصَّلَاةِ فَرْضٌ بِالدَّلِيلِ الَّذِي يُوجِبُ فَرْضِيَّةَ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ … لَا تَكُونُ بِدُونِ التَّمَامِ، وَتَرْكُ الْإِتْمَامِ بَعْدَ الشُّرُوعِ إِبْطَالٌ لِلْعَمَلِ وَهُوَ مَزْجُورٌ (¬٨) عَنْهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ (¬٩)، وَالتَّمَامُ مُعَلَّقٌ بِفِعْلِ الْقَعْدَةِ، فَكَانَتِ الْقَعْدَةُ فَرْضاً لَا مَحَالَةَ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ الَّذِي لَا يَتِمُّ إِلَّا بِشَيْءٍ كَانَ ذَلِكَ الشَّيْءُ وَاجِباً.