ثم قال (ص ٢١، ٢٢) :
والمرجع في ذلك - أي في معرض المكيل والموزون - إلى العرف بالحجاز في عهد النبي ﷺ وبهذا قال الشافعي، وحكي عن أبي حنيفة، أن الاعتبار في كل بلد بعادته.
ولنا ما روى عبد الله بن عمر، عن النبي ﷺ، أنه قال: ((المكيال مكيال المدينة، والميزان ميزان مكة)) . والنبي ﷺ إنما يحمل كلامه على بيان الأحكام؛ لأن ما كان مكيلًا بالحجاز في زمن النبي ﷺ انصرف التحريم في تفاضل الكيل إليه، ولا يجوز أن يتغير بعد ذلك وهكذا الموزون وما لا عرف له بالحجاز يحتمل وجهين، أحدهما: يرد على أقرب الأشياء شبهًا به بالحجاز كما أن الحوادث ترد إلى أشبه المنصوص عليه بها وهو القياس. والثاني: يصير عرفه في موضعه، فإن لم يكن له في الشرع حد كان المرجع فيه إلى العرف كالقبض والإحراز والتفرق، وهذا قول أبي حنيفة. وعلى هذا إن اختلفت البلاد فالاعتبار بالغالب فإن لمن يكن غالب بطل هذا الوجه وتعين الأول، ومذهب الشافعي على هذين الوجهين، فالبر والشعير مكيلان منصوص عليهما، بقول النبي ﷺ: ((البر بالبر، وكيلًا بكيل، والشعير بالشعير، كيلًا بالكيل)) ، وكذلك سائر الحبوب والأبازيز والأشنان والجص والنورة وما أشبهها، والتمر مكيل هو من المنصوص عليه وكذلك سائر النخل من الرطب والبسر وغيرهما، وسائر ما تجب فيه الزكاة من الثمار مثل الزبيب والفستق والبندق والعناب والمشمش والبطم - أي الحبة الحمراء - والزيتون واللوز والملح مكيل، وهو من المنصوص عليه بقوله ﵇: ((الملح بالملح مدي بمدي، والذهب والفضة موزونان)) ،ثبت ذك بقوله ﵇: ((الذهب بالذهب وزنًا بوزن، والفضة بالفضة وزنًا بوزن)) ، وكذلك ما أشبههما من جواهر الأرض كالحديد والنحاس والصفر - وهو نوع من النحاس والصفر - والرصاص والزئبق والزجاج، ومنه الإبريسم والقطن والكتان والصوف وغير ذلك، وما أشبهه، ومنه الخبز واللحم والشحم والجبن والزبد والشمع، وما أشبهه، وكذلك الزعفران والمعصفر والورس، وما أشبه ذلك.