والظاهر أن الفلوس في العهد الأول، لم تكن تستعمل إلا في العملة الصغيرة التي لا تبلغ نصاب الزكاة، ولا أن تكون ذات أهمية في تقويم المال، ونتيجة لذلك استقر الوهم لدى كثير من الفقهاء والمتفقهة بأنها وسيلة للتبادل، لا تبلغ أن كون لها حكم " النقد " في الصرف، ولا في غيره من المعاملات على حين أن يسيرًا من التدبر في الأوضاع المالية للعهد الأول والثاني والثالث من عهود الدولة الإسلامية حري بأن ينتهي إلى حقيقة حاسمة في هذا المجال هي أن القوة الاقتصادية ووفرة الموارد المالية للدولة، كانا عاملين أساسين في تحقيق وفرة الذهب والفضة بين أيدي الناس على اختلاف طبقاتهم، وفرة تغنيهم عن اعتبار الفلوس إلا أداة صغيرة لا تبلغ أن تكون لها قيمة مالية فعالة.
بيد أن انعدام التدبر جعل بعض الفقهاء والمتفقهة يسقطون الزكاة عن الفلوس حتى وإن بلغت قيمتها نصاب الزكاة في النقدين الذهب والفضة، ويضطربون في اعتبار الصرف بها وفيها خاضعًا وغير خاضع لأحكام المثلية والتنجز وما إليها من الأحكام الحاجزة له عن المعاملات الربوية.
وقد ارتأينا أن نقف هذه الوقفة القصيرة في نهاية هذا الفصل؛ لأنها في تقديرنا تمهيد ضروري لما سيأتي عند بحثنا لأحكام تغيير العملة.
ولعل مما يزيد إيضاحًا لطبيعة تصورهم للنقد واضطرابهم في الأحكام التي يصدرونها نتيجة لهذا التصور ما سنسوقه في الفصل التالي من نماذج لأحكامهم في تزييف العملة، ففي هذه الأحكام صور أخرى لعدم التمييز بين الماهية النقدية وعينية النقود أو مادتها.