وقد اختلفوا في كثير من مسائل الربا قديمًا وحديثًا، واختلفوا في تحريم التفاضل في الأصناف الستة الذهب والفضة والحنطة والشعير والتمر والملح، هل هو التماثل أو هو الكيل والوزن، أو هو الثمنية والطعم، أو هو الثمنية والتماثل مع الطعم والقوت وما يصلحه، أو النهي غير معلل والحكم مقصور على مورد النص، على أقوال مشهورة.
والأول: مذهب أبي حنيفة وأحمد في أشهر الروايات عنه، والثاني قول الشافعي، وأحمد في رواية ثالثة اختارها أبو محمد، وقول مالك قريب من هذا، وهذا القول أرجح من غيره، والرابع: قول داود وأصحابه، وروي عن قتادة، ورجح ابن عقيل هذا القول في مفرداته، وضعف الأقوال المتقدمة وفيها قول شاذ، أن العلة المالية وهو مخالف للنصوص ولإجماع السلف والاتحاد في الجنس شرط على كل قول من ربا الفضل، والمقصود هنا الكلام في علة تحريم الربا في الدنانير والدراهم، والأظهر أَن العلة في ذلك، هو الثمنية لا الوزن كما قال جمهور العلماء، ولا يحرم التفاضل في سائر الموزونات كالرصاص والحديد والحرير والقطن والكتان، ومما يدل على ذلك اتفاق العلماء على جواز إسلام النقدين في الموزونات وهذا بيع موزون بموزون إلى أجل، فلو كانت العلة الوزن لم يجز هذا، والمنازع يقول: جواز استحسان وهو نقيض العلة، ويقول: أنه جوز هذا للحاجة مع أن القياس تحريمه فليزمه أن يجعل العلة الربا بما ذكره - هكذا في النسخة المطبوعة وهو غير واضح - وذلك خلاف قوله، وتخصيص العلة الذي قد سمي استحسانًا إن لم يبين " دليل شرعي " - هكذا في النسخة ولعل صوابه: بدليل شرعي - يوجب تعليق الحكم للعلة المذكورة واختصاص صورة التخصيص بمعنى يمنع ثبوت الحكم من جهة الشرع والأحاديث وإلا كانت العلة فاسدة.
والتعليل بالثمنية تعليل بوصف مناسب، فإن المقصود بالأثمان أن تكون معيارًا للأموال يتوصل بها إلى معرفة مقادير الأموال، ولا يقصد الانتفاع بعينها فمتى بيع بعضها ببعض إلى أجل قصد بها التجارة التي تناقض مقصود الثمنية، واشتراط الحلول والتقابض فيها هو تكميل لمقصودها من التوسل بها إلى تحصيل المطلب فإن ذلك إنما يحصل بقبضها لا بثبوتها في الذمة مع أنها ثمن من طرفين فنهى الشارع أن يباع ثمن إلى أجل، فإذا صارت الفلوس أثمانًا صار فيها المعنى فلا تباع بثمن إلى أجل.