يذهب الأستاذ معروف الدواليبي في المحاضرة التي ألقاها في مؤتمر الفقه الإسلامي بباريس إلى أن الربا المحرم إنما يكون في القروض التي يقصد بها الاستهلاك لا إلى الإنتاج، ففي هذه المنطقة - منطقة الاستهلاك - يستغل المرابون حاجة المعوزين والفقراء ويرهقونهم بما يفرضون عليهم من ربا فاحش أما اليوم وقد تطورت النظم الاقتصادية وانتشرت الشركات وأصبحت القروض أكثرها قروض إنتاج لا قروض استهلاك، فإن من الواجب النظر فيما يقتضيه هذا التطور في الحضارة من تطور في الأحكام ويتضح ذلك بوجه خاص عندما تقترض الشركات الكبيرة والحكومات من جماهير وصغار المدخرين فإن الآية تنعكس والوضع ينقلب ويصبح المقترض - أي الشركات والحكومات - هو الجانب القوي المستغل ويصبح المقرض - أي صغار المدخرين - هو الجانب الضعيف الذي تجب له الحماية.
فيجب إذن أن يكون لقروض الإنتاج حكمها في الفقه الإسلامي ويجب أن يتمشى هذا الحكم مع طبيعة هذه القروض وهي طبيعة تغاير مغايرة تامة طبيعة قروض الاستهلاك ولا تعدو الحال أحد أمرين إما أن تقوم الدولة بالإقراض للمنتجين وإما أن تباح قروض الإنتاج بقيود وفائدة معقولة والحل الثاني هو الحل الصحيح، ويرى الأستاذ الدواليبي إمكان تخريجه على فكرة الضرورة وعلى فكرة تقديم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة كما لو تذرع العدو بمسلم فلا مناص من قتل المسلم حتى يمكن الوصول إلى العدو.
ويؤخذ على هذا الرأي أمران:
١- يصعب كثيرا من الناحية العملية التمييز بين قروض الإنتاج وقروض الاستهلاك حتى تباح الفائدة المعقولة في الأولى وتحرم إطلاقا في الثانية قد يكون واضحا في بعض الحالات أن القروض قروض إنتاج يصح أن تباح فيها الفائدة المعقولة كما هو الأمر في القروض التي تعقدها الحكومات والشركات ولكن هنالك صورا أخرى من القروض أكثرها وقوعا القروض التي تعقدها الأفراد مع المصارف والمنظمات المالية هل هي قروض إنتاج تباح فيها الفائدة المعقولة أو هي قروض استهلاك لا تجوز فيها الفائدة أصلًا؟ وهل نستطيع التمييز في كل حالة على حدة فنبيح هنا ونحرم هناك؟ ظاهر أن هذا التمييز متعذر، فلا بد إذن من أحد أمرين ما أن تباح الفائدة المعقولة في جميع القروض وإما أن تحرم في جميعها، وإذا فرضنا جدلا أنه يمكن تمييز قروض الإنتاج فإن تخريج الفائدة المعقولة في هذه القروض على فكرة الضرورة لا يستقيم، فالضرورة بالمعنى الشرعي ليست قائمة وإنما هي الحاجة لا الضرورة وينبغي التمييز بين الأمرين.