ثم يضيف السنهوري قائلا:
على أننا إذا استبقينا الحرمة كأصل عام للربا في جميع صوره فلا بد لنا مع ذلك من استبقاء التمييز بين ربا الجاهلية من جهة وكل من ربا النسيئة وربا الفضل من جهة أخرى فإن هذا التمييز من الوضوح والخطر بحيث لا وجه للمنازعة.
فربا الجاهلية محرم لذاته تحريم المقاصد وكل من ربا النسيئة وربا الفضل محرم لا لذاته، بل باعتباره ذريعة إلى ربا الجاهلية فهو محرم تحريم الوسائل لا تحريم المقاصد وذلك سدًّا للذرائع.
قلت: لكن إذا نظرنا بعمق إلى الحكم التي أشار إليها السنهوري نفسه ونقلها موجزة على تعليقة الأستاذ عبد الله دراز ﵀ نتبين أن هذا التمييز الذي أراد السنهوري أن يستبقيه لا حاجة إلى استبقائه، بل لا حاجة وله ولا وجود له في حقيقة الأمر والواقع، ذلك بأن ثبوت حكمة واحدة فضلا عن حكم متعددة في تشريع شريعة ما، أمرًا أو نهيا، يدل على أن تشريعها مقصود لذاته وليس وسيلة تسد بها ذريعة أو يتذرع بها إلى هدف أن ثبوت المناط ما لم يكن - إثباته وإثبات التوسل - ثبوت لكون التشريع تشريع مقاصد.
ثم قال السنهوري:
ولا نزال نستبقي النتيجة الهامة التي تترتب على هذا التمييز فربا الجاهلية لا تجيزه إلا ضرورة ملحة من شأنها أن تبيح أكل الميتة والدم، أما كل من ربا النسيئة وربا الفضل فيكفي لإجازته أن تقوم الحاجة إلى ذلك.
قلت: هذا إذا سلمنا بوجود التمييز، أما عند انتفائه، كما أوضحنا آنفا، فإن النتيجة التي أراد أن يصل إليها السنهوري تنتفي تلقائيًّا.
ثم قال السنهوري:
وقد يكون غريبا أننا لم نعالج في صور الربا حتى الآن الصورة المألوفة التي تتكرر كل يوم، وهي صورة القرض بفائدة، فإن جميع أنواع الربا التي عرضنا لها - لاسيما الربا الوارد في الحديث الشريف - إنما هو بيوع لا قروض، فهل القرض يدخل في البيوع الربوية؟
يبدو أن هذا السؤال غريب فإن القرض هو أول عقد ربوي في الشرائع الحديثة، ولكن الواقع أن القرض في الفقه الإسلامي ليس أصلا من العقود الربوية إذ البيع هو الأصل كما رأينا ويقاس على البيع الربوي القرض الذي يجر منفعة.