ثم قال السنهوري:
ويتعين مما قدمناه من النصوص أن القرض الذمي يتضمن فائدة ليس أصيلًا في العقود الربوية، بل هو يقاس عليها يجوز أولا أن يتضمن العقد فائدة غير مشروطة، فإذا رجح المستقرض في بدل القرض ولم يكن الرجحان مشروطًا فلا بأس به ويجوز ثانيا أن يستر القرض فائدة كمن يبيع الشيء غاليًا للمستقرض ثم يقرضه مبلغا من المال؛ إذ لا شك في أن الفرق بين الثمن الغالي والقيمة الحقيقية إنما هو فائدة القرض.
قلت: القول بهذا مرجوح عند من يمنع الحيلة ولا يراها وسيلة مشروعة بحال من الأحوال مثل ابن القيم ﵀ وهو الصحيح، بل الذي لا يجوز القول بغيره عند التحقيق، وقد ألمحنا آنفا إلى ما قاله ابن القيم في " أعلام الموقعين ".
ثم قال:
وأخيرا إذا تضمن العقد زيادة مشروطة ظاهرة - وهذه هي الفائدة بعينها - فإن هذا لا يجوز، ولكن لا؛ لأن الزيادة المشروطة ربا، بل لأنها تشبه الربا والتحرز عن حقيقة الربا وعن شبهة الربا واجب.
قلت: ومن أين للسنهوري هذه الدعوى، فالفائدة المشروطة ربا ما في ذلك شك ولعل دعواه هذه التي أراد أن ينسبها إلى الفقهاء الأول هي التي حملته على أن يحذف، وهو ينقل من المغني كلام ابن المنذر الذي جاء فيه " أجمعوا على أن المسلف إذا شرط على المستسلف زيادة " أم " هدية، فأسلف على ذلك أن أخذ الزيادة على ذلك ربا " انتهى كلام ابن قدامة نقلا عن ابن المنذر، ومن عجب أن يجرؤ السنهوري على نسبة دعوى إلى الفقهاء الذين نقل عنهم وهى مخالفة لإجماعهم ولا نعرف جرأة على الله وعلى شريعته أوضح من هذه لولا أننا نريد أن نقنع أنفسنا بحسن الظن في السنهوري فنحتمل له أنه لم يفهم كلام الفقهاء، مع أن ذلك يتأتى لو لم يحذف كلام ابن المنذر مما نقله عن المغني حذفا لا شك فيه أنه عن عمد وسبق إصرار، إذ هو لا يكتفي بدعواه هذه، إذ يمضي في تدعيمها.
فيقول:
وإذا كانت الفائدة في القرض لا تعتبر ربا حقيقيًّا، بل يقتصر الأمر على أن فيها شبهة ربا فلا مناص من القول بأن ربا القرض يلحق بربا النسيئة وبربا الفضل ويجمع بين كل هذه الأنواع من الربا أنها جميعها محرمة ولكن التحريم فيها تحريم للوسائل لا تحريم للمقاصد ومن ثم يرتفع التحريم إذا قامت الحاجة.
ثم يعلق على " مقولته " هذه يقول:
على أن الصورة التي يرسمها الفقهاء عادة للقرض في العصور السالفة تجعله أقرب إلى الصدقة فتغاير ما بين طبيعته في تلك العصور وطبيعته اليوم حيث هو في أكثر صوره وسيلة مألوفة من وسائل تزويد المنتج بعنصر ضروري من عناصر الإنتاج هو رأس المال - جاء في (المغني: ٤/٣٥٣) (ص ٣٤٧ في نسختنا) : والقرض مندوب إليه في حق المقرض مباح للمقترض لما روينا من الأحاديث ولما روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: ((من كشف عن مسلم كربة من كرب الدنيا كشف الله عنه كربة من كرب يوم القيامة والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه)) . (١) .