ثم مضى السنهوري بناء على أساسه الذي ناقشناه آنفا، أن يحاول الاعتذار أو التسويغ لتشريعات الدول العربية المبيحة للربا في الإطار الذي حدده في فتواه، زاعما بأن تلك التشريعات لم يغب عنها الملحظ الذي التزمه في هذه الفتوى غافلًا عن أن الأوضاع التي هيأت للمشرعين العرب - والإسلام هو الغالب في جميع البلاد العربية - أن يكون إليهم أمر التشريع في بلدهم تقطع عنهم كل عذر إذا هم لم يعتبروا الوجود الإسلامي في بلادهم باعتباره دين الأغلبية الغالبة، فيلتزم بضوابطه التشريعية، إن صيرورة أمر التشريع إليهم تحملهم جميع التبعات المترتبة عن عدم الالتزام الدقيق بأحكام الشريعة الإسلامية ولا سبيل إلى التماس الأعذار لهم في ذلك بدعوى ضرورة الاتساق مع الأوضاع السائدة في البلاد غير الإسلامية التي تلجئهم الحاجة إلى التعامل معها؛ لأن اعتبار هذا الاتساق قد يكون له وجه في التشريعات المتعلقة الداخلية الراجع أمرها إلى ما هو من مشمولات السيادة البحتة.
على أن ما له علاقة بالتشريعات الخارجية نفسه يمكن تكييفه مع ضوابط التشريع الإسلامي، وذلك ما سنلمع إليه بعد قليل.
ثم إن العالم قد عرف نوعين من التشريع الوضعي العلماني في المجالين الاقتصادي والمالي مسافة الخلف بينهما أحيانا أوسع من مسافة الخلف بين الواحد منهما وبين ضوابط التشريع الإسلامي، ومع ذلك تعايشا وتعاملا بمنافرة أحيانا ذلك ما لا ننكره وبمسالمة أحيانا أخرى وفي كلتا الحالتين أمكن لهما التعايش والتعامل وهما النظام الاشتراكي والنظام الرأسمالي، فلماذا يجفل المشرع المسلم أو المشرع في البلاد الإسلامية من أن يكون صاحب نظام ثالث يفرض نفسه على النظامين الآخرين أن يتعايشا معه وخاصة فيما هو من شؤونه الداخلية ولا علاقة له بغيره، ولا يؤثر بأية حال من الأحوال في تعامله مع الآخرين؟ إلا أن يكون السبب هو مجرد التحرج من أن يقول الآخرون: إنه مسلم ملتزم ومن أن يعاملوه بالجفاء والمناوشة من أجل التزامه بالإسلام وأحكامه. أليس هذا في ذاته مخجل مخز لما يجسمه من الذلة والخضوع.
وكيف كان دعاة الاشتراكية والماركسية أجرأ في دعوتهم - وهم لا يرجون الله وقارًا إنما يرجونه لدنياهم فحسب - من المشرع المسلم أو المشرع للبلاد الإسلامية، فما من أحد ينكر ما أثبته التاريخ من أنهم واجهوا من سدنة النظم الرأسمالية أعنف مما يمكن أن يواجهوا وأقساه من جفاء وحصار ونذر متواصلة مختلفة اللهجات والأشكال، ورغم ذلك ثبتوا بصمود عجيب ليس في دعوتهم فحسب، بل في عملهم على التمكين لها وتركيزها وترسيخها نظامًا ثابت الدعائم ومنهاجا واضح المعالم وإجبار العالم كله على اعتبارها واحتسابها فيما يحتسب من النظم والمناهج وهو يرسم مساره ويعين مصيره ويكيف مسيرته.