ومنهم من يميل إلى اعتباره ضرورة من الضرورات بالنسبة للأمة، ويقول: ما دام صلاح الأمة في الناحية الاقتصادية متوقفًا على أن نتعامل بالربا وإلا اضطربت أحوالها بين الأمم فقد دخلت بذلك في قاعدة " الضرورات تبيح المحظورات ".:
وهذا أيضا مغالطة فقد بينا أن صلاح الأمة لا يتوقف على هذا التعامل وأن الأمر فيه إنما هو وهم من الأوهام وضعف أمام النظم التي يسير عليها الغالبون الأقوياء.
وخلاصة القول أن كل محاولة يراد بها إباحة ما حرم الله أو تبرير ارتكابه بأي نوع من أنواع التبرير بدافع المجاراة للأوضاع الحديثة أو الغربية والانخلاع عن الشخصية الإسلامية، إنما هي جرأة على الله وقول عليه بغير علم وضعف في الدين وتزلزل في اليقين وقد سمعنا من يدعو إلى البغاء العلني ويجيزه ويطالب بالعودة إليه ويرى أنه إنقاذ من شر أعظم يصيب الأمة من انتشار البغاء السري وبمثل هذا يتحلل المسلمون من أحكام دينهم حكمًا بعد حكم حتى لا يبقى لديهم ما يحفظ شخصيتهم الإسلامية نعوذ بالله من الخذلان ونسأله العصمة من الفتن.
قلت: قائل هذا القول هو نفس قائل ما ورد في الفتاوى فإن لم تكن ظروف خاصة حملته على ابتغاء " التقية " حيث قال مقولته في الفتاوى، فإنها زلة مجتهد على شاكلة مقولة ابن عباس ﵄ في ربا الفضل والأعمال بخواتيمها ويرحم الله شلتوت لقد حاج فدحض الباطل ودمغه وأخزى أهله: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [الآية ١١٤ من سورة هود] .
وقد نقل هذا الذي نقلناه عن شلتوت من تفسيره نور الدين عتر بشيء من تصرفه في كتابه القيم (المعاملات المصرفية والربوية وعلاجها في الإسلام) وتعقبه بقوله: ص ٧١:
بقيت شبهة لم يتعرض لها مقال الشيخ شلتوت؛ لأنها حدثت بعد كتابته وهي شبهة من يزعم إباحة الربا مع المصرف المتأمم فهذه الشبهة أغرب وأعجب مما سبق لأن صاحبها قد عكس القول وقلب الأمر على غير وجهه، فكأنما الدولة في نظرهم غير مسؤولة عن سد ثغرات المجتمع ولا يفترض عليها الرفق بالأمة ورعايتها وإنما وظيفتها جمع الأموال فقط.
والذى نفهمه في أن حاجة المجتمع للإقراض ثغرة يجب على الدولة أن تساهم - خطأ صوابه: أن تسهم - في سدها يدلنا على ذلك الحديث الشريف الذي أخرجه البخاري عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: ((ما من مؤمن إلا وأنا أولى به في الدنيا والآخرة اقرءوا إن شئتم: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الآية ٦ من سورة الأحزاب] ، فأيما مؤمن مات فترك مالا فليرثه عصبته من كانوا ومن ترك دينًا أو ضياعًا فليأتني فأنا مولاه)) .
فالرسول ﷺ التزم سداد دين المسلمين والأداء عنهم وذلك تقرير منه لمسؤولية الحاكم عن سد هذا الثغر من ثغور المجتمع الإسلامي فإن كان بعض الناس قد ينازعن فيما فهمنا واستلهمنا من هذا الحديث ويدعي أن التصرف من النبي ﷺ تطوع شخصي ليس من باب مسؤولية الحاكم؟ فالجواب أن أقوال النبي ﷺ وأفعاله تشريع باتفاق الحكماء ما لم ينهض الدليل الجازم على تصرف ما بأنه من باب الخصوصية له صلى الله عليه سلم وليس هاهنا دليل أبدًا، بل إن الدليل يثبت أن هذا التشريع عام للأمة بحيث جاء الخلفاء الراشدون وتبعوا هذه الخطة وأصبح من المقرر إثبات مسؤولية الدولة عن سد ثغرات المجتمع.