وإذا صرفنا النظر عن تضعيفهم لأبي جنب، وقد أشار إليه شاكر في تعليقه على الحديث وتعقبه وقال عنه الهيثمي في (مجمع الزوائد: ٤/١٠٥٩) : وفيه أبو جنب الكلبي وهو مدلس ثقة، فإن لفظ الحديث نفسه لا يستقيم متعلقًا لهم وذلك أولًا: لأن كلمة الرماء لا نعرفها من حديث رسول الله ﷺ إلا في هذا الحديث والمعروف من حديث ابن عمر في هذا الشأن - وقد سقناه بطرق عدة في فصل " من أحكام اضطراب العملة في الحديث الشريف " أن جملة " فإني أخاف عليكم الرماء " من كلامه هو وأنه لم يسمع حديث الربا مباشرة عن رسول الله ﷺ، وإنما سمعه من حديث أبي سعيد وثانيا: حتى وإن ثبت أن حديث ابن عمر هذا كما رواه أحمد والطبراني سمعه مباشرة عن رسول الله ﷺ وفيه: ((فإني أخاف عليكم الرماء)) أو كما ورد في بعض الطرق فإني أخاف عليكم الربا، فإن النهي عن بيع الدينار بالدينارين والدرهم بالدرهمين والصاع بالصاعين فهي عن أية معاملة فيها تفاضل أو تؤدي إلى تفاضل وكلمة " فإني أخاف "، لا تعني أنه سد للذريعة، وإنما تعني في فقهها أنه تبيان لا محيص عنه، وهو أن معاملة من هذا القبيل لا يمكن أن تتم بين عقلاء إلا بناء على اعتبار لنوع من المفاضلة بين السلعتين المتبادلتين وفي حالة الدراهم والدنانير، إما أن تكون المفاضلة في الوزن أو في الخلوص أو في مصدر السك، فالمفاضلة إذن ثابتة وأما في حالة الصاع بالصاعين وهي إما في التمر أو في البر أو في الشعير، فلا بد أن تكون لجودة أحدهما ورداءة الآخر أو لجدة أحدهما وقدم الآخر وإن كانا من نوع واحد جودة ورداءة، وفي جميع هذه الأحوال لو بيع كل شيء منها بثمن واشتري مقابله بالثمن لكان أحدهما أغلى من الآخر ما في ذلك شك، ولذلك حرمت هذه المعاملة أما التعبير بـ " فإني أخاف " فإنما هو لدرء احتمال ممكن الوقوع ولكنه نادر ذلك في حالة أن يكون أحد المتبايعين بحاجة إلى النوع الذي يشتريه بأكثر منه من جنسه سبب يخرج عن التفاضل النوعي، كأن يشتري تاجر مسافر إلى الشام عملة رومية بعملة فارسية ولحاجته إلى العملة الرومية يدفع ضعفها مقابلها من العملة الفارسية أو أن يشتري عملة مسكوكة بضعفها من جنسها موزونة لحاجته إلى المسكوكة، ومثل هذه الحالة يحتمل وقوعها في المكيلات لاعتباره مشاكل لهذا الذي تصورناه في النقد، وفي هذه الأحوال لا مجال لاعتبار التفاضل، ولكن جرأة الناس عليه والفهم لها مما قد يحوله إلى عادة حمل ابن عمر على التعبير بالخوف " فإني أخاف " أما كلمة الرماء ودلالتها على الربا فإنها من المترادفات التي تزخر بها اللغة العربية فلا سبيل إلى التعلق بها كما لو كانت عبارة تختلف عن عبارة الربا وإن قربت منها.
يتجلى مما سبق أن قول ابن عمر هذا أو روايته هذه لا متعلق فيها إلا لمن حرم الفقه في الدين لاعتبار أن تحريم ربا الفضل مناجزة، إنما هو سد للذريعة إلى الربا فهو تحريم من درجة أدنى يمكن التحلل منه إذا تعينت المصلحة أو الضرورة.