ثم قال: وأما النظر الثاني فيها من حيث تعلق الخطاب شرعًا، فالمصلحة إذا كانت هي الغالبة عند مناظرتها مع المفسدة في حكم الاعتياد فهي المقصودة شرعًا.
ثم قال: وكذلك المفسدة إذا كانت هي الغالبة بالنظر إلى المصلحة في حكم الاعتياد فرفعها هو المقصود شرعًا ولأجله وقع النهي ليكون رفعها على أتم وجوه الإمكان العادي في مثلها حسب ما يشهد له كل سليم فإن تبعتها مصلحة أو لذة، فليست هي المقصودة بالنهي عن ذلك الفعل بل المقصود ما غلب في المحل وما سوى ذلك ملغى في مقتضى النهي، كما كانت جهة المفسدة ملغاة في جهة الأمر.
فالحاصل من ذلك أن المصالح المعتبرة شرعًا والمفاسد المعتبرة شرعًا هي خالصة غير مشوبة بشيء، من المفاسد لا قليلًا ولا كثيرًا، وإن توهم أنها مشوبة فليست في الحقيقة الشرعية كذلك لأن المصلحة المغلوبة أو المفسدة المغلوبة، إنما المراد بها ما يجري في الاعتياد الكسبي من غير خروج إلى زيادة تقتضي التفات الشارع إليها على الجملة، وهذا المقدار - يعني الخارج الزائد عن حالة الاعتبار الكسبي - هو الذي قيل: إنه غير مقصود الشارع في شرعية اعتبار الأحكام.
ثم قال: إذا ثبت أن الشارع قد قصد بالتشريع إقامة المصالح الأخروية والدنيوية وذلك على وجه لا يختل لها به نظام لا بحسب الكل ولا بحسب الجزء وسواء في ذلك ما كان من قبيل الضروريات أو الحاجيات أو التحسينات؛ فإنها لو كانت موضوعة بحيث يمكن أن يختل نظامها أو تخل أحكامها لم يكن التشريع موضوعًا لها إذا ليس كونها مصالح إذ ذاك بأولى من كونها مفاسد لكن الشارع قصد بها أن تكون مصالح على الإطلاق، فلا بد أن يكون وضعها على ذلك الوجه أبديًّا وكليًّا وهذا في جميع أنواع التكليف والمكلفين وجميع الأحوال.
ثم قال: المصالح المجتلبة شرعًا والمفاسد المستدفعة، إنما تعبر من حيث تقام الحياة الدنيا للحياة الأخرى لا من حيث أهواء النفوس في جلب مصالحها العادية أو درء مفاسدها العادية.
ثم قال: وإذا ثبت هذا تبنى عليه قواعد منها، أن لا يستمر إطلاق القول بأن الأصل في المنافع الإذن وفي المضار المنع كما قرره الفخر الرازي إذ لا يكاد يوجد انتفاع حقيقي ولا ضرر حقيقي وإنما عامتها أن تكون إضافية.