١ صفحة جديدة 1
في الكتاب والسنة .
[[[
الواسطة الشركية
يخطئ كثير من الناس في فهم حقيقة الواسطة فيطلقون الحكم هكذا جزافا ً بأن الواسطة شرك ، وأن من اتخذ واسطة بأي كيفية
كانت فقد أشرك بالل ه ٰ ّ ، وأن شأنه في هذا شأن المشركين القائلين : } م َا نَعْبُد ُه م ُ ْ إ ِ لّ َ ا لِيُق َرِّبُون َا إ ِ لَى الل َ ه ّ ِ زُلْفَى { ، وهذا كلام مردود ،
والاستدلال بالآية في غير محله ، وذلك لأن هذه الآية الـكريمة صر يحة في الإنكار على المشركين عبادتهم للأصنام واتخاذها آلهة من
دونه تعالى وإشراكهم إياها في دعوى الربوبية على أن عبادتهم لها تقربهم إلى الل ه ٰ ّ زلفى ، فكفرهم وإشراكهم من حيث عبادتهم لها
ومن حيث اعتقادهم أنها أرباب من دون الل ه ٰ ّ .
وهنا مهمة لابد من بيانها وهي أن هذه الآية تشهد بأن أولئك المشركين ما كانوا جادين فيما يحكي ربنا عنهم من قولهم مسوغين عبادة
الأصنام : ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الل ه ٰ ّ زلفى ، فإنهم لو كانوا صادقين في ذلك لكان الل ه ٰ ّ أجل عندهم من تلك الأصنام ، فلم يعبدوا
غيره ، وقد نهى الل ه ٰ ّ المسلمين من سب أصنامهم بقوله تعالى : } و َلا َتَس ُب ُ وا ّ ْ ال ذ َ ّ ِي ن َ ي د َ ْ ع ُونَ م ِن د ُو ن ِ اللّه ِ فَيَس ُب ُ وا ّ ْ اللّه َ عَدْوا ً بِغَيْر ِ عِلْم ٍ كَذَل ك ِ َ
ز َ ي َ ن َ ّ ا ّ لِك ل ُ ّ ِ أ ُ مّ َ ة ٍ ع َمَلَه م ُ ْ ث ُم َ ّ إ ِ لَى ر َ ب ّ ِه ِم مّ َ ر ْ جِعُه م ُ ْ فَيُنَب ِّئُه ُم بِمَا ك َانُوا ْ يَعْم َلُونَ { .
روى عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الل ه ٰ ّ عنه أنه قال : )) كان المسلمون
يسبون أصنام الـكفار فيسب الـكفار الل ه ٰ ّ عز وجل ، فأنزل الل ه ٰ ّ : } و َلا َتَس ُب ُ وا ّ ْ ال ذ َ ّ ِي ن َ ي د َ ْ ع ُونَ م ِن د ُو ن ِ اللّه ِ فَيَس ُب ُ وا ّ ْ اللّه َ عَدْوا ً بِغَيْر ِ عِلْم ٍ { ،
هذا سبب نزول هذه الآية . فهي إذن تنهى المؤمنين نهي تحريم شديد أن يقولوا كلمة نقص في الحجارة التي كان يعبدها الوثنيون بمكة
المشرفة ، لأن قول تلك الكلمة يتسبب عنه غضب أولئك الوثنيين غيرة على تلك الأحجار التي كانوا يعتقدون من صميم قلوبهم أنها آلهة
تنفع وتضر ، وإذا غضبوا قابلوا المسلمين بالمثل فيسبون ربهم الذي يعبدونه ، وهو رب العالمين ، ويرمونه بالنقائص وهو المنزه عن كل
نقص ، ولو كانوا صادقين بأن عبادتهم لأصنامهم تقربهم إلى الل ه ٰ ّ زلفى ما اجترؤا أن يسبوه انتقاما ً ممن يسبون آلهتهم فإن ذلك واضح
جدا ً في أن الل ه ٰ ّ تعالى في نفوسهم أقل من تلك الحجارة .
وقل ذلك أيضا ًفي قوله تعالى : } و َل ئ ِن َ سَأَ لْتَه ُم مّ َ نْ خ َل ق َ َ ال س َ ّ م َاو َات ِ و َالْأَ ر ْض َ لَيَق ُول نّ ُ َ الل َ ه ّ ُ { ، فإنهم لو كانوا يعتقدون حقا ًأن الل ه ٰ ّ تعالى
الخالق وحده وأن أصنامهم لا تخلق ، لكانت عبادتهم لل ه ٰ ّ وحده دونها أو لكان على الأقل احترامهم له تعالى فوق احترامهم لتلك الحجارة
، وهل هذا يتفق مع شتمهم له عز وجل غيرة على حجارتهم وانتقاما ًلها منه سبحانه وتعالى ؟ إن البداهة تحكم أنه لا يتفق أبدا ً ، وليست
الآية التي معنا وحدها تدل على أن الل ه ٰ ّ تعالى أقل عند أولئك المشركين من حجارتهم بل لها أمثال ! منها قوله تعالى: } و ج َ َ ع َلُوا ْ لِلّه ِ مِم ِّا
ذَر َأَ م ن ِ َ الْحَر ْث ِ و َالأَ نْع َا م ِ نَصِ يبا ً فَق َالُوا ْ هَذ َا لِلّه ِ ب ِزَعْمِه م ِ ْ و َهَذ َا ل ِشُرَك َآئ ن َا ِ فَمَا ك َانَ ل ِشُرَك َآئِه م ِ ْ فَلا َ يَصِ ل ُ إ ِ لَى اللّه ِ وَم َا ك َانَ لِلّه ِ فَه ُو َ يَصِ ل ُ إ ِ لَى
شُرَك َآئِه م ِ ْ سَاء م َا ي َ حْكُم ُونَ { ، فلولا أن الل ه ٰ ّ تعالى أقل في نفوسهم من تلك الحجارة ما رجحوها عليه هذا الترجيح الذي تحكيه هذه الآية
واستحقوا عليه حكم الل ه ٰ ّ عليهم بقوله : } سَاء م َا ي َ حْكُم ُونَ { .
ومن هذا القبيل قول أبي سفيان رضي الل ه ٰ ّ عنه قبل إسلامه : ))أع ل ْ ُ ه ُبل(( كما رواه البخاري ينادي صنمهم المسمى بهُبل أن يعلو
في تلك الشدة رب السماوات والأرض و يقهره ليغلب هو وجيشه جيش المؤمنين الذي يريد أن يغلب آلهتهم ، هذا مقدار ما كان
عليه أولئك المشركون مع تلك الأوثان ومع الل ه ٰ ّ رب العالمين .
فليعرف هذا حق المعرفة فإن كثيرا ً من الناس لا يفهمونه ويبنون عليه ما يبنون .
ألا ترى أن الل ه ٰ ّ لما أمر المسلمين باستقبال الـكعبة في صلاتهم توجهوا بعبادتهم إليها واتخذوها قبلة ؟ وليست العبادة لها وتقبيل الحجر
الأسود إنما هو عبودية لل ه ٰ ّ تعالى ، واقتداء بالنبي صلى الل ه ٰ ّ عليه وآله وصحبه وسلم ، ولو أن أحدا ً من المسلمين نوى العبادة لهما لكان
١٩ Shamela.org