وصحَّ لنا من بعده لأنَّنا مأمورون بالاقتداء به، فحتى لو قلنا: إنَّ الخلافة هي خلافة عن رسول الله ﷺ، آلَ الأمرُ عند التحقيق إلى خلافة عن الله تعالى، فما الرسول إلا رسول الله، وهو لا يُمثِّل نفسَه بل يُمثِّل ربَه ﵎، ويُبَلِّغُ عنه شرعه.
ثم إنَّ الخلافة لو كانت خلافةً عن رسول الله، لكان كلُّ مَنْ يلي أمرَ المسلمين خليفةً لرسول الله ﷺ، ولمَاَ دُعي عمرُ بن الخطاب ﵁ في بداية عهده بخليفة خليفة رسول الله ﷺ (١). ثمَّ إن قول أبي بكر: لست خليفةَ الله، ولكنِّي خليفة رسول الله، لا يصحُّ دليلاً على رأي الجمهور، لأنَّه ورد عنه ﵁ أنَّه قد رفض أن يسمى حتى خليفةَ رسول الله ﷺ وسمى نفسَه الخالفة، وأقواله هذه يُفهم منها تواضعه ﵁ لا أكثر (٢).
وأما الرأي الثالث: القائل إن الخلافة هي عن الله ورسوله معاً: فهو رأي التفتازاني (٣) والشيعة (٤) وإنْ انطلق كلٌ منهما من منطلق يختلف عن الآخر.
وأما الرأي الرابع: القائل إنَّ الخلافة هي خلافة عن الأمة: فقال به القرطبي (٥) وبعض المعاصرين كيوجه سوي ولؤي صافي وبسيوني وصاحب كتاب (الخلافة وسلطة الأمة) والخالدي. وهو رأي تبنَّته الموسوعة الفقهية (٦). وقال الماوردي: «الإمامة من الحقوق العامة المشتركة بين حق الله وحقوق الآدميين» (٧).