أحدهما: أنه رخص الأسعار، قاله ابن عباس، والحسن، ومجاهد. والثاني: سَعَةُ المال، وهو مروي عن ابن عباس أيضاً، وبه قال قتادة، وابن زيد. وقال الفراء: أموالكم كثيرة، وأسعاركم رخيصة، فأيّ حاجة بكم إلى سوء الكيل والوزن «١» ؟! قوله تعالى: وَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه غلاء السعر، قاله ابن عباس. وقال مجاهد: القحط والجدب والغلاء. والثاني: العذاب في الدنيا، وهو الذي أصابهم، قاله مقاتل. والثالث: عذاب النار في الآخرة، ذكره الماوردي «٢» .
إِيفاء الكيل والوزن، خير من البخس، قاله ابن عباس. والثاني: رزق الله خير لكم، روي عن ابن عباس أيضاً، وبه قال سفيان. والثالث: طاعة الله خير لكم، قاله مجاهد، والزجاج. والرابع: حظُّكم من الله خير لكم، قاله قتادة. والخامس: رحمة الله خير لكم، قاله ابن زيد. والسادس: وصية الله خير لكم، قاله الربيع. والسابع: ثواب الله في الآخرة خير لكم، قاله مقاتل. والثامن: مراقبة الله خير لكم، ذكره الفراء. وقرأ الحسن البصري: «تقية الله خير لكم» بالتاء.
قوله تعالى: إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ شرطَ الإِيمان في كونه خيراً لهم، لأنهم إن كانوا مؤمنين بالله ﷿، عرفوا صحّة ما يقول. وفي قوله ﷿: وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ ثلاثة أقوال: أحدها:
ما أُمرْتُ بقتالكم وإِكراهكم على الإِيمان. والثاني: ما أُمرتُ بمراقبتكم عند كيلكم لئلا تبخسوا.
والثالث: ما أحفظكم من عذاب الله إِن نالكم.
قوله تعالى: أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف، وحفص: «أصلاتك» على التوحيد. وفي المراد بصلواته ثلاثة أقوال: أحدها: دينة، قاله عطاء. والثاني: قراءته، قاله الأعمش.
والثالث: أنها الصلوات المعروفة. وكان شعيب كثيرَ الصلاة.
قوله تعالى: أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا قال الفراء: معنى الآية: أصلواتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا، أو أن نترك أن نفعل في أموالنا ما نشاء؟
وفي معنى الكلام على قراءة من قرأ بالنون قولان: أحدهما: أن فعلهم في أموالهم هو البخس والتطفيف، قاله ابن عباس فالمعنى: قد تراضينا فيما بيننا بذلك.
والثاني: أنهم كانوا يقطعون الدراهم والدنانير، فنهاهم عن ذلك، قاله ابن زيد. وقال القرظي:
عُذِّبوا في قطعهم الدراهم. قال ابن الأنباري: وقرأ الضحاك بن قيس الفهري: «ما تشاء» بالتاء، ونسق «أن تفعل» على «أن تترك» ، واستغنى عن الإِضمار. قال سفيان الثوري: في معنى هذه القراءة أنه أمرهم بالزكاة فامتنعوا. وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي، والضحاك، وابن أبي عبلة: «أو أن تفعل في أموالنا ما تشاء» بالتاء فيهما «١» ومعنى هذه القراءة كمعنى قراءة الفهري.
وفي قوله تعالى: إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ أربعة أقوال:
أحدها: أنهم قالوه استهزاءً به، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال قتادة، والفراء.
والثاني: أنهم قالوا له: إِنك لأنت السفيه الجاهل، فكنى بهذا عن ذلك، ذكره الزجاج.
والثالث: أنهم سبّوه بأنه ليس بحليم ولا رشيد، فأثنى الله ﷿ عليه فقال: بل إِنك لأنت الحليم الرشيد، لا كما قال لك الكافرون، حكاه أبو سليمان الدّمشقي عن أبي الحسن المصّيصي.
والرابع: أنهم اعترفوا له بالحلم والرشد حقيقة، وقالوا: أنت حليم رشيد، فَلِمَ تنهانا أن نفعل في أموالنا ما نشاء؟ حكاه الماوردي، وذهب إِلى نحوه ابن كيسان.
وفي قوله تعالى: وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً ثلاثة أقوال: أحدها: أنه الحلال قال ابن عباس:
وكان شعيب كثيرَ المال. والثاني: النبوَّة. والثالث: العلم والمعرفة.
قال الزّجّاج: وجواب الشرط ها هنا متروك، والمعنى: إِن كنت على بينة من ربي، أتبع الضلال؟
فترك الجواب، لعلم المخاطَبين بالمعنى، وقد مرَّ مثل هذا.
قوله تعالى: وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ قال قتادة: لم أكن لأنهاكم عن أمر ثم أرتكبه. وقال الزجاج: ما أقصد بخلافكم القصد إِلى ارتكابه.
قوله تعالى: إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ أي: ما أريد بما آمركم به إِلا إِصلاح أموركم بقدر طاقتي. وقدر طاقتي: إِبلاغكم لا إِجباركم.
قوله تعالى: وَما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ فتح تاء «توفيقي» أهل المدينة، وابن عامر. ومعنى الكلام: ما أصابتي الحق في محاولة صلاحكم إِلا بالله، عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ أي: فوضت أمري، وذلك أنهم تواعدوه بقولهم: لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ، وَإِلَيْهِ أُنِيبُ أي: أرجع.
قوله تعالى: لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي حرك هذه الياء ابن كثير، وأبو عمرو، ونافع. قال الزجاج: لا تكسبنَّكم عداوتكم إِيايَ أن تعذَّبوا.
قوله تعالى: وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ فيه قولان: أحدهما: أنهم كانوا قريباً من مساكنهم.
والثاني: أنهم كانوا حديثي عهد بعذاب قوم لوط. قال الزجاج: كان إِهلاك قوم لوط أقرب الإِهلاكات التي عرفوها. قال ابن الأنباري: إِنما وحَّد بعيداً، لأنه أزاله عن صفة القوم، وجعله نعتاً مكان محذوف، تقديره: وما قوم لوط منكم بمكان بعيد.
قوله تعالى: إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ قد سبق معنى الرحيم. فأما الودود: فقال ابن الأنباري:
معناه: المحب لعباده، من قولهم: ودِدت الرجل أوَدُّه وُدّاً ووِدّاً، ويقال: وددت الرجل ودادا وودادة ووِدادة. وقال الخطابي: هو اسم مأخوذ من الوُدِّ وفيه وجهان:
أحدهما: أن يكون فعولاً في محل مفعول، كما قيل: رجل هيوب، بمعنى مهيب، وفرس رَكوب، بمعنى مركوب، فالله سبحانه مودود في قلوب أوليائه لما يتعرَّفونه من إِحسانه إليهم.
والوجه الآخر: أن يكون بمعنى الوادّ، أي أنه يودّ عباده الصالحين، بمعنى أنه يرضى عنهم بِتَقَبُّلِ أعمالهم ويكون معناه: أن يودّدهم إلى خلقه، كقوله ﷿: سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا «١» .
قوله تعالى: ما نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ قال ابن الأنباري: معناه: ما نفقه صحة كثير مما تقول، لأنهم كانوا يتديَّنون بغيره، ويجوز أن يكونوا لاستثقالهم ذلك كأنهم لا يفقهونه.