لما طمأَنت الملائكة إِبراهيم بأَنهم رسل الله وبشروه بالغلام العليم، ذهب عنه الروع واستأْنس بهم، لكنه ﵇ تفرس فيهم أَنهم أَرسلوا لأَمر آخر خطير غير البشارة، إِذ كان حديثهم موجزا يشعر بأَن في هذا الإِيجاز كلاما مطويا، ثم أَنهم ذوو عدد والبشارة يكفى فيها واحد، ولهذا خاطبهم بعنوان الرسالة وصدر خطابه بالفاءِ بعد أَن كان خطابه
يعنون قوم لوط ﵇، فقد أَفحشوا غاية الفحش بإِتيانهم الرجال شهوة من دون النساءِ مع شركهم، ولهذا وصفوا بالإِجرام لأَنه دأْبهم، وجئَ بهم بطريق التنكير ذمًّا لهم واستهانةً بهم.
أَي قالت الملائكة لإِبراهيم ﵇ جوابا عن سؤاله: إنا أَرسلنا الله ﵎ إِلى قوم مجرمين.
وتتمة الجواب في سورة الذاريات: "لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ * مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ" (¬١).
إِلا أَنه أَوجز هنا اكتفاءً بما ذكر هناك، كما تقدم مثل هذا وكما يأْتى مرارًا، وهذا من دلائل حكمة الكتاب العزيز، حيث لا يطنب في مقام الإِيجاز.
أَي قال المرسلون لإِبراهيم ﵇، إِن الله تعالى أَرسلهم لإِهلاك المجرمين من قوم لوط بعذاب الاستئصال، وتنجية غير المجرمين منهم فهم مستثنون من القوم المهلكين. ولذلك قالوا:
٥٩ - (إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ): والمراد من آل لوط من آمن به من قومه ولو كانوا من غير قرابته أَو أَصهاره، وقد استثنوهم من أَجل إِيمانهم، ولما كانت امرأَته كافرة ضالة، استثنوها من آل لوط فقالوا:
أَي حكمنا وقضينا قضاءً لا مرد له: بأَنها من الباقين في العذاب مع الكَفرة المهلكين، من أَجل كفرهم وجرمهم وكفرها معهم. وإِنما أَسند الملائكة التقدير والقضاء إِلى أنفسهم
شروع في بيان إِهلاك المجرمين، وتنجية آل لوط، مع تفصيل لما أُجمل في الاستثناءِ السابق؛ وذلك أَن الملائكة لما بشروا إِبراهيم بالغلام، وعرفوه بما أَرسلوا به، ساروا إِلى لوط وقومه فلما دخلوا على لوط وهم في صور شبان حسان الوجوه:
٦٢ - (قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ):
أَي لا أَعرفكم، فمنْ أَنتم؟ ولأَى أَمر جئتم؟ وإِنما قال ذلك لأَنهم ليسوا من أَهل الحضر، ولا تبدو عليهم آثار السفر. ويحكى الله سبحانه إِجابتهم للوط لكي يطمئنوه، ويعرفوه بما جاءَوا من أَجله؛ فيقول جل شأْنه:
أَي ما جئناك بما يسوؤك، بل جئناك بما فيه سرورك ونصرك على أَعداءِ الله وأَعدائك، وهو إِيقاع العذاب الذي كنت تتوعدهم بنزوله، فيمترون أَي يشكون فيه ويكذبونك. وهذا كما حكى الله عنهم في شيءٍ من التفصيل الذي تقدم في سورة هود: "قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ" (¬١). ثم أكدوا بشارئهم بجملة من المؤكَّدات فقالوا:
أَي وجئناك بالأَمر المحقق المتيقن الذي لا مجال للامتراءِ والشك فيه وهو عذابهم، وإِنا لصادقون فيما أَخبرناك به، أَو في كل كلام نقوله؛ لأَنه من عند الله ﷿ فيكون كالدليل على صدقهم فيما أَخبروا به.