﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً﴾ الواو للعطف على ﴿أَنْزَلَ﴾. والأولى جعل الواو للحال من الكتاب، على تقدير: أنزل الكتاب على عبده غير مجعول له عوج ﴿قَيِّماً﴾. وهو أولى من جعله معطوفا على ﴿أَنْزَلَ﴾ لما فيه من الفصل بين بعض الصلة وبعض، فلو كان للعطف، كان المعطوف فاصلا بين أبعاض المعطوف عليه، ولذلك قيل في الآية تقديم وتأخير، والتقدير: أنزل الكتاب قيما، ولم يجعل له عوجا.
﴿قَيِّماً﴾ قال في الكشاف: الأحسن أن ينتصب بمضمر، ولا يجعل حالا من ﴿الْكِتابَ﴾، منعا من الفصل بين الحال وصاحبه. وقيل: حال من ﴿الْكِتابَ﴾.
﴿لِيُنْذِرَ بَأْساً﴾ اللام متعلقة بأنزل، و ﴿بَأْساً﴾: مفعول ثان لينذر، والمفعول الأول محذوف، تقديره: لينذركم بأسا شديدا من لدنه.
﴿مِنْ لَدُنْهُ﴾ قرئ بضم الدال على الأصل، وبإسكانها على وزن عضد وحذف الضمة فيقال:
عضد ولدن، وبإشمامها بالضم للتنبيه على أن أصلها هو الضم.
﴿ماكِثِينَ فِيهِ﴾ حال من الهاء والميم في ﴿لَهُمْ﴾.
﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً﴾ تمييز منصوب، أي: كبرت الكلمة كلمة. و ﴿تَخْرُجُ﴾ جملة فعلية صفة ﴿كَلِمَةً﴾.
﴿إِنْ يَقُولُونَ إِلاّ كَذِباً﴾ أي ما يقولون إلا كذبا. وكذبا منصوب بيقولون، مثل: قلت شعرا أو خطبة.
﴿أَسَفاً﴾ منصوب على المصدر، في موضع الحال، أو مفعول لأجله.
﴿زِينَةً لَها﴾ مفعول ثان لجعلنا بمعنى صيّرنا. وإن جعل بمعنى خلقنا فهم مفعول به له.
البلاغة:
﴿يُبَشِّرَ﴾﴿وَيُنْذِرَ﴾ بينهما طباق.
﴿لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً﴾﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا: اِتَّخَذَ اللهُ وَلَداً﴾ فيه إطناب بذكر الخاص بعد العام. وفي كل منهما حذف بديع، فحذف من الجملة الأولى المفعول الأول أي لينذر الكافرين بأسا، وحذف من الجملة الثانية المفعول الثاني، وهو عذابا، فحذف لدلالة الأول عليه، وحذف من الأول المنذرين لدلالة الثاني عليه.
﴿باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ﴾ استعارة تمثيلية، شبه حاله ﵌ مع المشركين بحال من فارقته الأحباب، فهمّ بإهلاك نفسه حزنا عليهم.
﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ﴾ استفهام إنكاري بمعنى النهي، أي لا تبخع نفسك لإعراضهم عن الإيمان أسفا.
المفردات اللغوية:
﴿الْحَمْدُ لِلّهِ﴾ الحمد: الوصف بالجميل ثابت لله تعالى، وهو تعليم للعباد كيف يثنون على الله ويحمدونه على أجزل نعمائه عليهم وهي نعمة الإسلام، وما أنزل على عبده محمد ﵌ من الكتاب الذي هو سبب نجاتهم وفوزهم ﴿الْكِتابَ﴾ القرآن ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً﴾ ولم يجعل له شيئا من العوج قط، والعوج في المعاني كالعوج في الأعيان، والمراد نفي الاختلاف والتناقض عن معانيه وألفاظه.
﴿قَيِّماً﴾ مستقيما معتدلا، لا إفراط فيه ولا تفريط، فلا إفراط فيما اشتمل عليه من التكاليف منعا للمشقة والحرج، ولا تفريط فيه بإهمال ما يحتاج إليه. وفائدة الجمع بين نفي العوج وإثبات الاستقامة هو التأكيد، فرب مستقيم لا يخلو من أدنى عوج عند التأمل. وقيل: قيما على سائر الكتب، مصدقا لها، شاهدا بصحتها، وقيل: قيما بمصالح العباد، وما لا بد لهم منه من الشرائع، فيكون وصفا له بالتكميل بعد وصفه بالكمال.
﴿لِيُنْذِرَ﴾ ليخوف بالكتاب الكافرين وهو متعلق بأنزل ﴿بَأْساً﴾ عذابا في الآخرة ﴿مِنْ لَدُنْهُ﴾ من قبله أو من عنده. حذف المفعول الأول لفعل ﴿لِيُنْذِرَ﴾ -وهذا من بديع الحذف وجليل الفصاحة-لأن المنذر به هو الغرض المسوق إليه، فاقتصر عليه، ودل عليه ذكر المنذرين في قوله: ﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا: اِتَّخَذَ اللهُ وَلَداً﴾ من غير ذكر المنذر به لتقدم ذكره، كما ذكر المبشر به في قوله: ﴿وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً﴾ والأجر الحسن:
الجنة.
﴿ما لَهُمْ بِهِ﴾ بهذا القول أو باتخاذ الولد ﴿وَلا لِآبائِهِمْ﴾ من قبلهم، والمعنى: أنهم يقولونه عن جهل مفرط وتوهم كاذب، أو تقليد لما سمعوه من أوائلهم ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً﴾ عظمت، والمخصوص بالذم محذوف أي مقالتهم المذكورة ﴿إِنْ يَقُولُونَ إِلاّ كَذِباً﴾ ما يقولون في ذلك إلا مقولا كذبا.
﴿باخِعٌ﴾ مهلك نفسك أو قاتلها ﴿عَلى آثارِهِمْ﴾ أي من بعدهم، أي من بعد توليهم عن الإيمان ﴿الْحَدِيثِ﴾ القرآن ﴿أَسَفاً﴾ غيظا وحزنا منك، لحرصك على إيمانهم. والأسف: المبالغة في الحزن والغضب ﴿ما عَلَى الْأَرْضِ﴾ من الحيوان والنبات والشجر والأنهار وغير ذلك ﴿لِنَبْلُوَهُمْ﴾ لنختبر الناس، ناظرين إلى نتيجة الاختبار ﴿أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ في تعاطيه، وهو من زهد فيه، ولم يغتر به، وصرفه على ما ينبغي من الإتقان ﴿صَعِيداً﴾ ترابا ﴿جُرُزاً﴾ يابسا لا نبات فيه.