عنه أن رسول الله ﷺ قال: «يقول الله ﷿: أنا عند ظن عبدي، وأنا معه، إذا ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإذا ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه، وإن تقرب إليّ شبرا تقربت إليه ذراعا..» والمراد: ذكر القلب الذي يجب استدامته في عموم الحالات.
وأما قوله تعالى: ﴿وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ﴾ فهو تحذير من الله لهذه الأمة، حتى لا تقع فيما وقعت فيه الأمم السابقة، إذ كفرت بأنعم الله، فلم تستعمل العقل والحواس فيما خلقت من أجله، فسلبها ما وهبها.
﴿صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ التضوين في الكلمة الأولى والأخيرة للتفخيم، وقوله: ﴿مِنْ رَبِّهِمْ﴾ لإظهار مزيد العناية بهم.
﴿هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ فيه قصر الصفة على الموصوف، أي لا مهتدي غيرهم.
المفردات اللغوية:
﴿بِالصَّبْرِ﴾ الصبر: توطين النفس على احتمال المكاره، أي استعينوا على الآخرة بالصبر على الطاعة والبلاء. ﴿وَالصَّلاةِ﴾ خصّها بالذكر لتكررها وعظمها، والصلاة في اللغة: الدعاء، وهي من الملائكة: الاستغفار، ومن الله: الرحمة. ﴿مَعَ الصّابِرِينَ﴾ أي معهم بالعون. ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾ لنمتحننّكم، من الابتلاء: وهو الاختبار والامتحان ليعلم ما يكون من حال المختبر، والمراد: نصيبنكم إصابة من يختبر أحوالكم، بالخوف من العدو: ضد الأمن، ﴿وَالْجُوعِ﴾: القحط، ﴿وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ﴾: بالهلاك ﴿وَالْأَنْفُسِ﴾ بالقتل والموت والأمراض ﴿وَالثَّمَراتِ﴾ بالجوائح، أي لنختبرنكم، فننظر أتصبرون أم لا ﴿وَبَشِّرِ الصّابِرِينَ﴾ على البلاء بالجنة. والمصيبة: كل ما يؤذي الإنسان في نفس أو مال أو أهل. ونقص الثمرات: قلتها.
﴿صَلَواتٌ﴾ مغفرة، والصلاة من الله: التعظيم وإعلاء المنزلة. ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ نعمة، والرحمة: اللطف بما يكون لهم من حسن العزاء والرضا بالقضاء.
سبب نزول الآية (١٥٤):
نزلت في قتلى بدر، وكانوا بضعة عشر رجلا، ثمانية من الأنصار، وستة من المهاجرين، والسبب أن الناس كانوا يقولون للرجل يقتل في سبيل الله: مات فلان وذهب عنه نعيم الدنيا ولذتها، فأنزل الله هذه الآية. قال ابن عباس: قتل عمير بن الحمام ببدر، وفيه وفي غيره نزلت: ﴿وَلا تَقُولُوا..﴾. الآية.
التفسير والبيان:
كان تحويل القبلة فتنة للناس، لاختبارهم وتمييز المؤمن الحق من المنافق الكاذب، فهو نعمة وليس نقمة، ولكن السفهاء وأهل الكتاب استغلوا هذا الحادث العظيم، وقاموا بحملة من الافتراءات والوشايات لزرع الحقد والبغضاء في النفوس ضدّ المؤمنين، وقد علم الله أن ذلك يستتبع جهودا مكثفة منهم لتأليب
الناس على المؤمنين، وسيؤدي هذا إلى القتال حتما، ثم حدث القتال فعلا في سلسلة من المعارك الضارية.
فأبان سبحانه في هذه الآيات أن النعمة قد تقترن بالبلاء وألوان المصائب، ولكن لا دواء لتحمل المصيبة ومقاومة الأعداء من المشركين وأهل الكتاب إلا بالاستعانة بالصبر والصلاة، إذ في الصبر تقوية الإرادة وتحمل المشقة والثبات على المصاعب، وأن الله مع الصابرين، أي بالعون والنصرة والرعاية والتأييد، فلما فرغ سبحانه من بيان الأمر بالشكر، شرع في بيان الصبر، والإرشاد والاستعانة بالصبر والصلاة، فإن العبد إما أن يكون في نعمة فيشكرها، أو في نقمة فيصبر عليها.
وأما الاستعانة بالصلاة فلأنها أم العبادات، وهي طريق الصلة بالله ومناجاته واستشعار هيبة الله وجلاله، وهي مفزع الخائفين، وسبيل تفريج كرب المكروبين، واطمئنان نفوس المؤمنين،
قال ﷺ: «جعلت قرة عيني في الصلاة».
وإذا استعان المؤمن بالصبر والصلاة التي تملأ القلب خشية وخشوعا لله، وتبعد النفس عن الفواحش والمنكرات، هانت عليه المصاعب، وتحمّل كل شدة ومشقة، وقاوم كل عناء وكرب.
لذا أمر الله بهما فقال: استعينوا على نصر دينكم وشعائركم، وعلى كل ما تلاقونه من مكاره ومصائب، بالصبر الذي يتغلب به على كلّ مكروه، وبالصلاة التي تعزز الثقة بالله تعالى وتهوّن الخطوب. وهذه الآية شبيهة بقوله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ، وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلاّ عَلَى الْخاشِعِينَ﴾ [البقرة ٤٥/ ٢].
وإنما خصّ الصبر لأنه أشدّ شيء باطني على النفس، وخصّت الصلاة، لأنها