قال رجل من المسلمين: إذا فعلت أحسنت، وإن لم أرد لم أفعل، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ..﴾. إلخ، فجعل المتعة لهنّ بلام التّمليك. انتهى. فيكون المتأخر ناسخا للسّابق. هذا؛ وقال زيد بن أسلم: هو نسخ محض. والله أعلم بمراده، وأسرار كتابه.
الإعراب: ﴿وَلِلْمُطَلَّقاتِ:﴾ الواو: حرف عطف. (﴿لِلْمُطَلَّقاتِ﴾): متعلقان بمحذوف خبر مقدّم.
﴿مَتاعٌ:﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها لا محل لها. ﴿حَقًّا:﴾
مفعول مطلق لفعل محذوف، التقدير: حقّ ذلك حقّا، والجملة الفعلية هذه في محل رفع صفة ثانية ل ﴿مَتاعٌ،﴾ والصفة الأولى متعلّق ب: (المعروف). ﴿عَلَى الْمُتَّقِينَ:﴾ متعلقان ب ﴿حَقًّا﴾ أو بمحذوف صفة له.
الشرح: ﴿كَذلِكَ..﴾. إلخ: الإشارة إلى ما تقدّم من أحكام المطلّقات، والعدد.
﴿يُبَيِّنُ..﴾. إلخ: هذا وعد من العليم الحكيم بأنّه سيبين لعباده من الدّلائل، والأحكام ما يحتاجون إليه في دنياهم، وآخرتهم. ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ:﴾ تفهمون، وتتدبّرون، فتستعملون العقل فيها.
الإعراب: ﴿كَذلِكَ﴾ جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لمصدر محذوف، عامله الفعل الذي بعده، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب لا محلّ له. ﴿يُبَيِّنُ:﴾ فعل مضارع. ﴿اللهُ:﴾
فاعله. ﴿لَكُمْ:﴾ متعلقان به. ﴿آياتِهِ:﴾ مفعول به منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة؛ لأنه جمع مؤنث سالم، وتقدير الكلام: يبيّن الله لكم آياته تبيينا مثل هذا التبيين.
والجملة الفعلية مستأنفة لا محل لها. ﴿لَعَلَّكُمْ:﴾ حرف مشبه بالفعل، والكاف اسمها.
﴿تَعْقِلُونَ:﴾ فعل مضارع مرفوع، والواو فاعله، والجملة الفعلية في محل رفع خبر (لعل)، والجملة الاسمية تعليل للتبيين، لا محلّ لها.
الشرح: مناسبة الآيات الآتية لما قبلها: لمّا ذكر الله تعالى أحكام الأسرة بالتّفصيل، والتّنظيم التي تربط بين أفرادها، وذكر طرق إصلاحها باعتبار: أنّها النواة، واللّبنة؛ التي يشاد منها صرح المجتمع الفاضل؛ ذكر بعدها أحكام الجهاد، وذلك لحماية العقيدة، وصيانة
المقدّسات، وتأمين البيئة الصّالحة للأسرة المسلمة، التي تنشد الحياة الكريمة، فلا صلاح للأسرة إلا بصلاح المجتمع، ولا بقاء لها، ولا خلود إلا ببقاء الحقّ، وأنصاره، ولهذا أمر الله تعالى بالقتال، وضرب عليه الأمثال بالأمم السّابقة، وكيف جاهدت في سبيل الحق، وانتصرت القلّة مع إيمانهم على الكثرة، والتزامهم له، وجهادهم في سبيله.
﴿أَلَمْ تَرَ..﴾. إلخ: الخطاب للنبي ﷺ، أو لكلّ أحد، والاستفهام تعجّب، وتشويق إلى استماع ما بعده؛ إن كان المخاطب لم يعلم بحال المذكورين، أو هو استفهام، وتقرير؛ إن كان المخاطب يعلم بحالهم. ويجوز أن يخاطب به من لم ير، ولم يسمع؛ لأن هذا الكلام جرى مجرى المثل في معنى التعجّب.
﴿وَهُمْ أُلُوفٌ:﴾ جمع: ألف، وهو جمع كثرة، ويجمع أيضا على آلاف، وهو جمع قلّة.
واختلف في عددهم، فقيل: هم سبعون ألفا. وقيل غير ذلك. ﴿حَذَرَ الْمَوْتِ:﴾ خوف الموت، وفرارا منه. ﴿فَقالَ لَهُمُ اللهُ مُوتُوا﴾ فماتوا. ﴿ثُمَّ أَحْياهُمْ:﴾ أعاد الله إليهم أرواحهم، بعد موتهم.
﴿إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ:﴾ صاحب كرم، وجود، وإنعام؛ حيث يذكر لهم من القصص ما فيه عبرة لمن يعتبر، ويتذكّر. ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ فضل الله، وإنعامه.
تنبيه: المراد بما في الآية الكريمة أهل قرية «داوردان» قرية قبل واسط، وقع فيها طاعون، فخرجوا هاربين، فأماتهم الله، ثمّ أحياهم؛ ليعتبروا! ويتيقّنوا: أن لا مفرّ من قضاء الله تعالى، وقدره. أو هم قوم من بني إسرائيل، دعاهم ملكهم إلى الجهاد، ففرّوا خوف الموت، فأماتهم الله ثمانية أيام، ثمّ أحياهم بدعوة نبيهم حزقيل، وهو الخليفة الثالث من خلفاء موسى، على نبينا، وعليه ألف صلاة وألف سلام. ويقال له: ذو الكفل؛ لأنه تكفّل سبعين نبيّا، وأنجاهم من القتل، فقد مرّ فيهم، وهم موتى، فتعجب من حالهم، فأوحى الله إليه أن ناد: قوموا بإذن الله.
فنادى، فقاموا يقولون: سبحانك اللهم، وبحمدك، لا إله إلا أنت. وفائدة القصّة تشجيع المسلمين على الجهاد، والتّعرّض للشّهادة، وحثّهم على التوكّل، والاستسلام للقضاء. انتهى.
بيضاوي بتصرّف. وانظر ما ذكرته في الآية رقم [٧٣] فإنّه جيد. والحمد لله!.
وفي هذه القصّة عبرة، ودليل على أنّه لا يغني حذر من قدر، وأن لا ملجأ من الله إلا إليه، فإنّ هؤلاء خرجوا فرارا من الوباء طلبا لطول الحياة، فعوملوا بنقيض قصدهم، ثمّ أحياهم.
وميتة العقوبة بعدها حياة، وميتة الأجل لا حياة بعدها. وقال مجاهد: إنّهم لما أحيوا؛ رجعوا إلى قومهم، يعرفون: أنّهم كانوا موتى، سحنة الموت على وجوههم، ولا يلبس أحد منهم ثوبا إلا عاد كفنا دسما؛ حتى ماتوا لآجالهم؛ التي كتبت لهم. وفيه ردّ على من يقول: كيف أميت هؤلاء مرّتين في الدّنيا، وقد قال الله تعالى: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلاَّ الْمَوْتَةَ الْأُولى﴾ الآية رقم [٥٦] من سورة (الدخان)؟ قيل: إن موتهم، وإحياءهم كان معجزة من معجزات ذلك النّبيّ،
ومعجزات الأنبياء خوارق للعادات. فلا يقاس عليها. وفي هذه الآية احتجاج على اليهود، ومعجزة عظيمة لنبيّنا ﷺ حيث أخبرهم بأمر لم يشاهدوه، وهم يعلمون صحّة ذلك.
هذا؛ وأخرج أبو عيسى الترمذيّ عن عامر بن سعد، عن أسامة بن زيد-﵄:
أنّ النبيّ ﷺ ذكر الطّاعون: فقال: «بقيّة رجز، أو عذاب أرسل على طائفة من بني إسرائيل، فإذا وقع في أرض؛ وأنتم فيها؛ فلا تخرجوا منها، وإذا وقع في أرض، ولستم بها؛ فلا تهبطوا عليها». وبمقتضى هذا عمل عمر، والصّحابة-رضوان الله عليهم-لما رجعوا من «سرغ» -موضع في الشام-حين أخبرهم عبد الرحمن بن عوف-﵁-بالحديث على ما هو مشهور في الموطّأ، وغيره، وقد قال عمر لأبي عبيدة محتجّا عليه لمّا قال له حين رجع عمر من فلسطين، وكان طاعون عمواس: أفرارا من قدر الله؟! فقال عمر-﵁: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة! نعم نفرّ من قدر الله إلى قدر الله.
المعنى: لا محيص للإنسان عمّا قدّره الله له، وعليه، لكن أمرنا الله تعالى بالتحرّز من المخاوف، والمهلكات، وباستفراغ الوسع في التوقّي من المكروهات. ثم قال له: أرأيت لو كانت لك إبل، فهبطت واديا، له عدوتان، إحداها خصبة، والأخرى جدبة؟ أليس إن رعيت الخصبة؛ رعيتها بقدر الله، وإن رعيت الجدبة؛ رعيتها بقدر الله؟! ثم رجع-﵁-من موضعه ذلك إلى المدينة المنورة.
الإعراب: ﴿أَلَمْ:﴾ الهمزة: حرف استفهام، وانظر الشرح. (﴿لَمْ﴾): حرف نفي، وقلب، وجزم.
﴿تَرَ:﴾ فعل مضارع مجزوم ب (﴿لَمْ﴾) وعلامة جزمه حذف حرف العلة، وهو الألف، والفتحة قبلها دليل عليها، والفاعل ضمير مستتر تقديره: أنت، وهو لازم؛ لأنّه بمعنى: «تنظر» تعدى بحرف الجر. ﴿إِلَى الَّذِينَ﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعول به. ﴿خَرَجُوا:﴾ فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعله، والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها. ﴿مِنْ دِيارِهِمْ:﴾ متعلقان بما قبلهما، والهاء في محل جر بالإضافة. ﴿وَهُمْ أُلُوفٌ:﴾ الواو: واو الحال.
(﴿هُمْ أُلُوفٌ﴾): مبتدأ وخبر، والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو الجماعة، والرابط:
الواو، والضمير. ﴿حَذَرَ:﴾ مفعول لأجله، وهو مضاف، و ﴿الْمَوْتِ:﴾ مضاف إليه، من: إضافة المصدر لمفعوله، وفاعله محذوف، والجملة الفعلية: ﴿أَلَمْ تَرَ..﴾. إلخ مستأنفة لا محل لها.
(قال): فعل ماض. ﴿لَهُمُ:﴾ جار ومجرور متعلقان بما قبلهما. ﴿اللهُ:﴾ فاعله. ﴿مُوتُوا:﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعله، والألف للتفريق، والجملة الفعلية في محل نصب مقول القول، وجملة: ﴿فَقالَ..﴾. إلخ معطوفة على جملة: ﴿خَرَجُوا﴾ لا محل لها مثلها. ﴿ثُمَّ:﴾ حرف عطف. ﴿أَحْياهُمْ:﴾ فعل ماض مبني على فتح مقدر على الألف للتعذر، والفاعل يعود إلى ﴿اللهُ﴾ والهاء مفعول به، والجملة الفعلية معطوفة على جملة محذوفة، التقدير: فماتوا، فأحياهم.