وقال في سورة يونس: ﴿وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون اللَّه ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل [¬١] الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين﴾.
وكل هذه الآيات مكية، ثم تحدّاهم بذلك أيضًا في المدينة فقال في هذه الآية: ﴿وإن كنتم في ريب﴾ أي شك ﴿مما نزلنا على عبدنا﴾ يعني محمدًا ﷺ ﴿فأتوا بسورة من مثله﴾ يعني من مثل القرآن، قاله مجاهد وقتادة، واختاره ابن جرير [الطبري والزمخشري والرازي، ونقله عن عمر، وابن مسعود، وابن عباس، والحسن البصري، وأكثر المحققين، ورجَّح ذلك بوجوه من أحسنها أنه تحدّاهم كلهم متفرّقين ومجتمعين، سواء في ذلك أميهم وكتابيهم، وذلك أكمل في التحدّي وأشمل من أن يتحدى آحادهم الأميين ممن لا يكتب ولا يعاني شيئًا من العلوم] [¬٢]، وبدليل قوله تعالى: ﴿فأتوا بعشو سور مثله﴾ وقوله: ﴿لايأتون بمثله﴾ وقال بعضهم: من مثل محمد ﷺ يعني من رجل أمي مثله.
والصحيح الأول؛ لأن التحدي عام لهم كلهم مع أنهم أفصح الأم، وقد تحدّاهم بهذا في مكة والمدينة مرّات عديدة، مع شدّة عداوتهم له وبغضهم لدينه، ومع هذا عجزوا عن ذلك، ولهذا قال تعالى: ﴿فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا﴾ ولن لنفي التأييد [في المستقبل] [¬٣]، أي ولن تفعلوا ذلك أبدًا. [وهذه أيضًا معجزة أخرى، وهو أنه أخبر خبرًا جازمًا قاطعًا مقدمًا غير خائف ولا مشفق أن هذا القرآن لا يعارض بمثله أبد] [¬٤] [الآبدين ودهر الداهرين، وكذلك وقع الأمر، لم يعارض من لدنه إلى زمننا هذا، ولا يمكن، وأنى يتأتى ذلك لأحد، والقرآن كلام الله خالق كل شيء، وكيف يشبه كلام الخالق كلام الخلوقين، ومن تدبر القرآن، وجد فيه من وجوه الإعجاز فنونًا ظاهرة وخفية من حيث اللفظ، ومن جهة المعنى. قال الله تعالى: ﴿الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير﴾ فأحكمت ألفاظه وفصلت معانيه أو بالعكس على الخلاف، فكل من لفظه ومعناه فصيح لا يجارى ولا يدانى؛ فقد أخبر عن مغيبات ماضية ووقعت طبق ما أخبر سواء بسواء، وأمر بكل خير ونهى عن كل شر، كما قال تعالى: ﴿وتمت كلمة ربك صدقًا وعدلًا﴾ أي: صدقًا في الإخبار، وعدلا في الأحكام، فكله حق وصدق وعدل وهدى، ليس فيه مجازفة ولا كذب ولا افتراء، كما يوجد في أشعار العرب وغيرهم من الأكاذيب والمجازفات التي لا يحسن شعرهم إلا بها، كما قيل في الشعر: إنّ أعذبه أكذبه، وتجد القصيدة الطويلة المديدة قد استعمل غالبها في وصف النساء أو الخيل أو الخمر، أو في مدح شخص معين أو فرس أو ناقة أو حرب أو كائنة أو مخافة أو سبع، أو شيء من المشاهدات المتعينة التي لا تفيد شيئًا إلا قدرة المتكلم المعين على الشيء الخفي أو الدقيق، أو إبرازه إلى الشيء الواضح، ثم تجد له فيه بيتًا أو بيتين أو أكثر
وأما القرآن فجميعه فصيح في غاية نهايات البلاغة، عند من يعرف ذلك تفصيلًا واجمالًا، ممن فهم كلام العرب وتصاريف التعبير، فإنه إن تأملت أخباره وجدتها في غاية الحلاوة، سواء كانت مبسوطة أو وجيزة، وسواء تكررت أم لا، وكلما تكررت حلا وعلا، لا يخلق عن كثرة الردّ، ولا يمل منه العلماء، وإن أخذ في الوعيد والتهديد جاء منه ما تقشعر منه الجبال الصُم الراسيات، فما ظنك بالقلوب الفاهمات، وإن وعد أتى بما يفتح القلوب والآذان، ويشوق إلى دار السلام ومجاورة عرش الرحمن، كما قال في الترغيب: ﴿فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرّة أعين جزاء بما كانوا يعملون﴾. وقال: ﴿وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، وأنتم فيها خالدون﴾. وقال في الترهيب: ﴿أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر﴾. ﴿أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور، أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبًا فستعلمون كيف نذير﴾.
وقال في الزجر: ﴿فكلًّا أخذنا بذنبه﴾ وقال في الوعظ: ﴿أفرأيت إن متعناهم سنين، ثم جاءهم ما كانوا يوعدون ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون﴾ إلى غير ذلك من أنواع الفصاحة والبلاغة والحلاوة، وإن جاءت الآيات في الأحكام والأوامر والنواهي اشتملت على الأمر بكل معروف حسن نافع طيب محبوب، والنهي عن كل قبيح رذيل دنيء، كما قال ابن مسعود وغيره من السلف: إذا سمعت اللَّه تعالى يقول في القرآن: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ فارعها سمعك؛ فإنها خير يأمر به، أو شر ينهى عنه.
ولهذا قال تعالى: ﴿يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم﴾ الآية. وإن جاءت الآيات في وصف المعاد، وما فيه من الأهوال، وفي وصف الجنة والنار، وما أعدّ اللَّه فيهما لأوليائه وأعدائه من النعيم والجحيم، والملاذ والعذاب الأليم، بشرت به وحذرت وأنذرت، ودعت إلى فعل الخيرات واجتناب المنكرات، وزهَّدت في الدنيا ورغبت في الأخرى، وثبَّتت على الطريقة المثلى، وهدت إلى صراط اللَّه المستقيم، وشرعه القويم، ونفت عن القلوب رجس الشيطان الرجيم] [¬١].
ولهذا ثبت في الصحيحين (¬١٨٨) عن أبي هريرة ﵁ أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه
وسلم قال: "ما [من الأنبياء من نبي] [¬١] إلا قد أعطي من الآيات [ما مثله آمن عليه البشر] [¬٢]، وإنما [كان الذي أوتيت] [¬٣] وحيًا أوحاه اللَّه إليَّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة". لفظ مسلم.
وقوله [ﷺ]: "وإنما كان الذي أوتيت [¬٤] وحيًا" أي الذي اختصصت [¬٥] به من بينهم هذا القرآن المعجز للبشر أن يعارضوه، بخلاف غيره من الكتب الإلهية، فإنها ليست معجزة [عند كثير من العلماء] [¬٦]، واللَّه أعلم. وله أعليه الصلاة والسلام، من الآيات الدالة على نبوته وصدقه فيما جاء به ما [¬٧] لا يدخل تحت حصر، وللَّه الحمد والمنة.
[وقد قرر بعض المتكلمين الإعجاز بطريق يشمل قول أهل السنة وقول المعتزلة في الصرفة، فقال: إن كان هذا القرآن معجزًا في نفسه، لا يستطيع البشر الإتيان بمثله، ولا في قواهم معارضته، فقد حصل المدعى وهو المطوب، وإن كان في إمكانهم معارضته بمثله، ولم يفعلوا ذلك مع شدة عداوتهم له، كان ذلك دليلًا على أنه من عند اللَّه، لصرفه إياهم عن معارضته مع قدرتهم على ذلك، وهذه الطريقة وإن لم تكن مرضية -لأن القرآن في نفسه معجز، لا يستطع البشر معارضته كما قررنا- إلا أنها تصلح على سبيل التنزل والمجادلة والمنافحة عن الحق. وبهذه الطريقة أجاب الرازي في تفسيره عن سؤاله في السور القصار؛ كالعصر، وإنا أعطيناك الكوثر] [¬٨].
وقوله تعالى: ﴿فاتقوا النار التي وَقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين﴾ أما الوَقود بفتح الواو فهو ما يُلقى في النار لإضرامها كالحطب ونحوه، كما قال تعالى: ﴿وأما القاسِطون فكانوا لجهنم حطبًا﴾ وقال تعالى: ﴿إنكم وما تعبدون من دون اللَّه حَصَبُ جهنمَ أنتم لها واردون [لو كان هؤلاء آلهةً ما وَرَدُوها وكلٌّ فيها خالدون] [¬٩]﴾.
والمراد بالحجارة هاهنا هي حجارة الكبريت العظيمة السوداء [¬١٠] الصلبة المنتنة، وهي أشدّ الأحجار حرًّا إذا حميت، أجارنا اللَّهُ منها!
وقال عبد [¬١١] الملك بن ميسرة الزرّاد، عن عبد الرحمن بن سابط، عن عمرو بن ميمون، عن