وقد يُستعمل فيما هو في معنى الموجود؛ كما في قوله تعالى: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣٥] فدلالةُ الآية على أنَّ النار مخلوقةٌ الآن كما هو مذهبُ أهل الحق ليست بقويَّةٍ.
﴿لِلْكَافِرِينَ﴾ ختمٌ بما وقع به البدءُ؛ أي: اتَّقوا الكفر الموجِبَ للنار فإنها أُعدَّت للكفار، والجملةُ استئنافٌ يؤيِّدُه عطفُ (وبُشِّرَ) - على لفظِ المبنيِّ للمفعول (¬١) - عليه.
وقيل: صلةٌ بعد صلةٍ بلا عاطفٍ بينهما على قياسِ ما يقع في الأخبار والصفات، ويؤيدُه قولُه تعالى في سورة آل عمران: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٣١]، وأمَّا العطفُ بترك العاطف فتجويزُه يؤدِّي إلى الإلباس في مواضعِ الفصل والوصل.
ودلالةُ لام الاختصاص على أنَّ إعداد تلك النَّار للكفار، ولا يلزمُ من ذلك اختصاصُها بهم، كما لم يَلزم من اختصاص إعداد الجنة للمتَّقين أنْ لا يدخلها غيرُهم، فلا حاجة إلى أنْ يقال: إنَّ النار التي وقودُها الناسُ والحجارة هي للكفَّار خاصةً ولغيرهم نارٌ غيرها (¬٢).
﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ البشارة في اللغة اسمٌ لخبرٍ يغيِّر بَشَرةَ الوجهِ مطلَقًا سارًّا (¬١) كان أو محزنًا، إلَّا أنَّه غَلب استعمالُها في الأول، وصار اللفظ حقيقةً له بحكم العُرف حتى لا يُفهمُ منه غيرُه، واعتُبر فيه الصدقُ على ما نُصَّ عليه في الكتب الفقهيَّة، فالمعنى العُرفيُّ للبشارة: الخبر الصادقُ السارُّ الذي ليس عند المُخبَر به علمُه.
والمأمورُ بالتبشير على قراءةِ: (بشِّر) على لفظ المبنيِّ للفاعل: الرسولُ ﵇.
ولا وجهَ للتعميم لكلِّ مَن يقدرُ على البشارةِ مِن غيرِ تعيينٍ؛ لِمَا عَرَفْتَ أنَّ مدار البشارة على الصِّدق، فحقُّها أن يكون المبشِّرُ صادقًا ومُصدَّقًا، كأنه ما اتَّكل في أمرِ التبشير على كلِّ قادرٍ عليه، بل نصَّ على أعظمِهم وأصدقِهم؛ ليكون ذلك أوثقَ عند المبشَّرين، وأقطعَ في الإخبارِ بهذه البشارةِ الجليلة، وفيه من التعظيم لأمرِ البشارة والمؤمنين ما لا يَخْفَى.
والجملةُ معطوفةٌ على ما قبلَها عطفَ قصةٍ على قصةٍ بينهما جهةٌ جامعةٌ بحيث تقتضي أنْ يُقفَّى (¬٢) ذكرُ إحداهما بذكرِ الأخرى؛ توفيةً لحقِّ الكلام، ورعايةً لِمَا يقتضيه المقام، وذلك أنَّ قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا﴾ خطابٌ عامٌ يشمل الفريقين: الموافقَ والمخالفَ.
إلى نبيِّه أن يدعوَ الناس قاطبةً إلى عبادته وتوحيده وتصديقِ رسوله، ثم أَمر أن يُنذِر مَن أبَى وعانَدَ، ويبشِّرَ من آمن وعَبد، وهذا هو المعتمَد.
وقيل: معطوفةٌ على مقدَّرٍ بعد ﴿أُعِدَّتْ﴾ أي: فأنذِر الذين كفروا بتلك النارِ وبشِّر الذين آمنوا، وعلى هذا تكون الواو فصيحةً كما في قوله تعالى: ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ [مريم: ٤٦]؛ أي: فاحذَرْني [واهجُرني] (¬١).
وقيل: معطوفةٌ على قولٍ مقدَّرٍ قبل ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾؛ أي: قل كذا وكذا وبشِّر المؤمنين، ولا يأبى عن ذلك قولُه: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾، فإنه قد جاء في كلام الله تعالى في غيرِ موضعٍ (¬٢)، منها قولُه تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ﴾ [البقرة: ٩٧]، قالوا: كان حقُّه: على قلبي، لكنه جاء على حكايةِ كلامِ الله تعالى؛ كأنه قال: قلْ ما تكلَّمتُ به.
وجوِّز أن تكون معطوفة على قوله: ﴿فَاتَّقُوا﴾ على أنه ليس جوابًا للشرط، بل هو محذوف، وهذا مرتَّب عليه، فعلى هذا يكون تقديرُ الكلام: إذا تَبيَّن عجزُكم عن المعارضة فقد صحَّ عند المعاند والموافق (¬٣) صدقُه، وإذا كان كذلك فاحذَروا أيها المعانِدون العقابَ وبشِّر يا محمدُ المصدِّقين بالثواب، وعطفُ الأمر لمخاطَبٍ على الأمرِ لمخاطَبِ آخَرَ مما أخطأ في منعه النُّحاة؛ لوقوعه قطعًا في قوله تعالى: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ﴾ [يوسف: ٢٩]، وستقف على تتمة هذا الكلام في تفسير قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩].