والخلاصة: إن الصدقة الواجبة، والإنفاق في المصالح العامة كبناء المدارس والمشافي والدعوة إلى الدين والجهاد، ونفقة التطوع بقصد ترغيب الآخرين في التصدق ينبغي إعلانها، وهو أفضل من الإخفاء. وأما الصدقة على الفقراء لسد حاجاتهم فإسرارها أفضل من إعلانها، سترا لحالهم وحفظا لكرامتهم.
﴿لِلْفُقَراءِ﴾ جار ومجرور: إما مرفوع لأنه خبر مبتدأ محذوف وتقديره: الصدقات للفقراء، وإما منصوب لتعلقه بفعل: ﴿وَما تُنْفِقُوا﴾ في الآية السابقة، أي: وما تنفقوا من خير للفقراء، أو متعلق بمحذوف والمعنى اعمدوا للفقراء أو اجعلوها لهم. ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ﴾ جملة فعلية حال
منصوب من ضمير ﴿أُحْصِرُوا﴾. ﴿يَحْسَبُهُمُ﴾ جملة فعلية حال من الفقراء، وكذلك: ﴿تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ﴾ و ﴿لا يَسْئَلُونَ النّاسَ إِلْحافاً﴾ ويحتمل أن يكون ذلك كله حالا من ضمير ﴿أُحْصِرُوا﴾ ويحتمل أن يكون مستأنفا، فلا يكون له موضع من الإعراب. ومعنى: ﴿لا يَسْئَلُونَ النّاسَ إِلْحافاً﴾ أي لا يسألون ولا يلحفون.
﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ﴾ مبتدأ موصول، وتمت الصلة عند قوله: سرا وعلانية: وهما مصدران في موضع الحال من ضمير ﴿يُنْفِقُونَ﴾. ثم أخبر عن المبتدأ بقوله: ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾ ودخلت الفاء في خبر المبتدأ، لتضمن المبتدأ الموصول حرف الشرط، وهذا لا يكون إلا إذا كانت الصلة جملة فعلية، ولم يدخل على عامل يغير معناه نحو ليت ولعل وكأن.
البلاغة:
﴿وَما تُنْفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغاءَ وَجْهِ اللهِ﴾ خبر بمعنى النهي، أي لا تطلبوا غير ثواب الله من أعراض الدنيا. ﴿وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ إطناب بعد قوله: ﴿يُوَفَّ إِلَيْكُمْ﴾ وقوله: ﴿وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ﴾. ويوجد طباق بين قوله: ﴿بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ﴾ وقوله ﴿سِرًّا وَعَلانِيَةً﴾.
المفردات اللغوية:
﴿هُداهُمْ﴾ إدخال الناس في الإسلام، وإنما عليك البلاغ والإرشاد إلى الخير والله هو الهادي إلى الدخول في الإسلام، فالهدى نوعان: هدى التوفيق إلى طريق الخير والسعادة وهو مختص بالله تعالى، وهدى الدلالة والإرشاد إلى الخير وهو مهمة النبي ﷺ. ﴿مِنْ خَيْرٍ﴾ مال ﴿فَلِأَنْفُسِكُمْ﴾ أي ثوابه لأنفسكم لا ينتفع به غيركم ﴿اِبْتِغاءَ وَجْهِ اللهِ﴾ طلب مرضاته وثوابه ﴿أُحْصِرُوا﴾ منعوا وحبسوا في طاعة الله لجهاد أو تعلم علم ﴿يُوَفَّ إِلَيْكُمْ﴾ يصل إليكم جزاؤه غير منقوص ﴿وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ لا تنقصون منه شيئا، وهذه الجملة وجملة ﴿يُوَفَّ﴾ تأكيد للجملة الأولى:
﴿فَلِأَنْفُسِكُمْ﴾.
﴿لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً.﴾. سفرا وسيرا في الأرض للكسب والتجارة والمعاش بسبب شغلهم عنه بالجهاد ﴿التَّعَفُّفِ﴾ إظهار العفة وترك السؤال ﴿بِسِيماهُمْ﴾ علامتهم من التواضع وأثر الجهد ﴿لا يَسْئَلُونَ النّاسَ إِلْحافاً﴾ أي لا يسألون الناس أصلا شيئا، ولا يقع منهم إلحاف أي إلحاح: وهو أن يلازم السائل المسؤول حتى يعطيه ﴿بِهِ عَلِيمٌ﴾ خبير، مطلع عليه ومجاز عليه.
ورد في سبب نزولها روايات عديدة مضمونها واحد منها: ما رواه النسائي والحاكم والبزار والطبراني وغيرهم عن ابن عباس قال: كانوا يكرهون أن يرضخوا (¬١) لأنسابهم من المشركين، فسألوا، فرخص لهم، فنزلت هذه الآية:
﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ﴾ الآية.
وروي أن ناسا من المسلمين كانت لهم أصهار في اليهود ورضاع، وقد كانوا ينفقون عليهم قبل الإسلام، فلما أسلموا كرهوا أن ينفقوا عليهم.
وقيل: حجت أسماء بنت أبي بكر، فأتتها أمها تسألها، وهي مشركة، فأبت أن تعطيها، فنزلت.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس أن النبي ﷺ كان يأمر أن لا يتصدق إلا على أهل الإسلام، فنزلت: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ﴾ الآية، فأمر بالتصدق على كل من سأل من كل دين.
وروى سعيد بن جبير مرسلا عن النبي ﷺ في سبب نزول هذه الآية: أن المسلمين كانوا يتصدّقون على فقراء أهل الذمّة، فلما كثر فقراء المسلمين، قال رسول الله: ﷺ: «لا تتصدّقوا إلا على أهل دينكم» فنزلت هذه الآية مبيحة للصدقة على من ليس من دين الإسلام.
وحكى الطبري أن مقصد النبي ﷺ بمنع الصدقة إنما كانوا ليسلموا ويدخلوا في الدين، فقال الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ﴾.