وإنَّما ذكر الصلتين ومعناهما واحد تقريرًا لقبائحهم، وتكريرًا لفضائحهم، كما قال: ﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى﴾ [طه: ٧٩].
والآيات: العلاماتُ الدالَّةُ على وحدانيَّةِ الله تعالى وصفاتهِ؛ من الكتبِ المنزلةِ وغيرِ ذلك، وسمِّيت آيةُ القرآن بها لأنها علامة لانقطاعِ كلامٍ عن كلامٍ وانفصالهِ.
وقيل: سمِّيت آيةً لأنها جماعةُ حروفٍ من القرآن وطائفةٌ من الكَلِم؛ كما يقال: خرج القوم بآيتهم؛ أي: بجماعَتِهم.
﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ الاصطحاب: اجتماع مع طول لبثٍ.
و ﴿أُولَئِكَ﴾ مبتدأ، ويجوز أن يكون عطفَ بيان أو بدلًا فيكون ﴿أَصْحَابُ﴾ خبرًا عن ﴿وَالَّذِينَ﴾، و ﴿هُمْ فِيهَا﴾ خبرٌ ثانٍ أو تفسيرٌ.
ولا متمسَّك للحشويَّة في هذه القصَّة على عدم عصمةِ الأنبياء ﵈؛ لأن مبناه على أن يكون آدم ﵇ حينئذ نبيًّا، وأن يكون النهي تكليفًا، وأن لا تكون التوبة إلا عن معصيةٍ، وواحدٌ منها غيرُ مسلَّم.
وأمَّا ما قيل: إنه أخطأ في اجتهاده، حيث ظنَّ أن الإشارة إلى عينِ تلك الشجرةِ فأكل غيرها من ذلك النوع، وكان الإشارةُ إلى النوع، فمردودٌ بقوله: ﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ﴾ الآية [الأعراف: ٢٠]؛ لأنَّه صريحٌ في أنه كان الإزلال في المنهيِّ عنه.
﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ انتظامُه بخَتمِ قصةِ آدم ﵇: أنه وَعَد متَّبعَ الهدى بالجنة وأَوْعَد مخالِفَه بالنار، وحثَّهم في هذه الآية على الوفاء بعهده، وهو الإيمان به والطاعةُ، ليُوْفيَ بعهدهم وهو إدخالُ الجنة.
والخطابُ لأولاد يعقوب ﵇، فإنَّ إسرائيل لقبَه معناه بالعبرانية: صفوةُ الله، وقيل: عبد الله، ولم يَنصرف للعجمة والعلَمية.
وأصل (بني): بنين، وهو جمع ابنٍ سقطتْ نونُه للإضافة، والبَنونَ يطلق على الذكور والإناث من الأولاد إذا اجتمعوا.
والابن (¬١) من البناء، وهو وضع الشيء على الشيء (¬٢)، شبِّه الأبً بالأسِّ والابنُ بما بُني عليه.
﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ﴾ أمرٌ من الذُّكر الذي هو مضموم الذال، وهو بالقلب خاصةً، فالمراد: الحفظُ الذي يضادُّ النسيان، أمرَ بذكر النِّعَم (¬٣) - وكان المطلوبُ القيامَ بشكرها - إيماءً إلى أنها من النِّعم الجِسام التي لا مانعَ للعاقل من القيام بشكرها إلا الغفلةُ عنها.
واختيرَ تحريكُ الياء في ﴿نِعْمَتِيَ﴾؛ لأنَّه لقيَها الألِفُ واللامُ، فلم يكن بدٌّ من إسقاطها أو تحريكِها، وكان التحريكُ أولى لأنَّه أدلُّ على الأصل، وأَشكَلَ بما يَلزمُ اللامَ في الاستئناف من فتحِ ألِفِ الوصل، وإسكانُ الياء في قوله:
﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا﴾ [الزمر: ٥٣] أجودُ؛ لأن مِن حقِّ ياء الإضافة أن لا تَثبت في النداء، وإذا لم تثبت (¬١) فلا طريق إلى تحريكها.
﴿الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ من السابقةِ واللاحقة، والظاهرةِ والباطنة.
والنعمة: اسمٌ للشيء المنعَمِ به، أضافها إلى ذاته أولًا، ثم أَسندها إليه تعظيمًا لها، ثم قيَّدها بهم هزًّا لهم، وحثًّا لطباعهم المجبولةِ على حبِّها على القيام بشكرها.
وأمَّا ما قيل: لأن الإنسان غيورٌ حسودٌ بالطبع، فإذا نظر إلى ما أَنعم الله تعالى على غيره حملَه الغيرةُ والحسد على الكفران والسخط - فإنما يصلحُ وجهًا لعدم تقييدها بغيرهم، وهو بمعزلٍ عن هذا المقام؛ لِمَا عرفْتَ أن المطلوب القيامُ بالشكر لا مجردُ الذكر.
﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي﴾ الوفاء: مراعاةُ العهد، والغدرُ: تضييعُه، كما أن الإنجاز: مراعاة الوعد، والخُلفَ: تضييعُه، فالوفاءُ والإنجازُ في الفعل كالصدق في القول، والغدرُ والخُلف كالكذب فيه.
وأَوْفَى أبلغُ من وَفَى كما أن أَسْقَى أبلغُ من سَقَى.
والعهد هو (¬٢) حفظُ الشيء ومراعاتُه حالًا فحالًا، قال الخليل: أصلُه الاحتفاظ بالشيء وإجدادُ العهد به، وسمِّي الموثقُ عهدًا للُزوم مراعاته، يضاف إلى المعاهِد والمعاهَد وهاهنا أضيف إلى المفعول؛ أي: أوفوا بعهدي في أنْ لا تُؤْثِروا عليَّ غيري ﴿أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ في أنْ لا أمنع منكم خيري.