ذلك تعريض بإيمان أَهل الكتاب بها، فإنه غير مطابق، ولا صادر عن يقين، فاليقين: إنما يكون عن علم لا يعتريه شك قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ (¬١) وأهل الكتاب ليسوا كذلك.
وسميت الدار الثانية بالآخرة؛ لتأخرها عن دار الدنيا.
اسم الإشارة في ﴿أولئك﴾ عائد على المتقين الموصوفين بالصفات السابقة، فتكون تلك الصفات كلها ملحوظة مع المشار إِليه، والتعببر بقوله: ﴿عَلى هُدىً﴾: فيه إشارة إلى تمكن المتقين من الهدى، فكأنهم مستقرون عليه، وتنكير هدى لتعظيمه، وأكد هذا التعظيم بأنه صادر ﴿مِّن رَّبِّهِمْ﴾: أي بتوفيقه: ﴿قُلْ إنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدَى (¬٢)﴾﴿وَأولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾:
أي وأولئك الموصوفون بما تقدم هم -لا غيرهم- الفائزون عند الله بالسعادة الدائمة.
وأصل الفلح: الشق في الأرض، وهو عمل الفلاح، والمؤمنون قد شقوا طريقهم إلى الله، فوصلوا وفازوا يمرضاة ربهم، وعظيم ثوابه.
وتكرار اسم الإِشارة: ﴿أوَلئكَ﴾، للتنويه بشأْن المتقين المتصفين بهذه الصفات.
﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾: أي أغلقها ومنعها عن قبول الهدى، بسبب إصرارهم على الكفر. والمقصود أنه تعالى لم يوفقهم إلى الإيمان بسبب عنادهم.
﴿وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾: أي غطاء، وهذا كناية عن عدم انتفاعهم بالآيات الكونية المرئية: الدالة على وحدانية الله تعالى، كما لا ينتفع الأعمى بالمرئيات لغيره.
بعد أن وصف الله المؤمنين الصادقين، في أربع آيات، صدرت بهن السورة، أتبعها وصف الكافرين، فخصهم بآيتين، لبيان حالهم ومآلهم.
فهنا في هذه الآية: إخبار من الله تعالى عن قوم، علم الله أَزلا: أنهم لا يؤْمنون، وأن الإنذار وعدمه سواء عندهم، لأن ظلمة الكفر حجبتهم وتحجبهم عن نور الإيمان.
وقد يقال: إذا علم الله أزلًا كفرهم باختيارهم السَّيِّئ، وأَخبر عنهم بأنهم لا يؤْمنون فما فائدة الإنذار، وتوجيه الدعوة إليهم؟
والجواب: أن الإنذار لإقامة الحجة عليهم، حتى لا يقولوا: ما جاءنا من بشير ولا نذير، ولتحقيق عموم الرسالة، وليثاب الرسول على توجيه الدعوة إليهم، وإن لم يستجيبوا.
هذا والكفر نوعان: كفر إنكار لله قلبا ولسانا، ككفر فرعون. وكفر إباء وامتناع: وهو أن يعرف الله بقلبه ولا يقر بلسانه، أَو يغر بلسانه ويكفر بحقوقه ويأباها، ككفر إبليس، ومن على شاكلته من البشر، وكلاهما يؤَدئ إلى الخلود في النار.
والمقصود من قوله تعالى: ﴿خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهمْ .... ﴾ إلخ بيان السبب في إضرارهم على الكفر، وعدم اننفاعهم بإنذار الرسول ﷺ.
وليس المرادمن الختم على القلوب، والغشاوة على الأسماع والأبصار، المعنى الحقيقى لهما، إذ لا ختم في الحقيقة ولا غشاوة، بل المراد إنه تعالى تركهم وشانهم الذي اختاروه لأنفسهم من إِصرارهم على الكفر، وتركهم التذكر بقلوبهم وعقولهم، وصرفهم اشماعهم عن المواعظ وابصارهم عن آيات الله تعالى، فلم يلطف بهم ولم يهدهم، جزاءَ إصرارهم وسوء اختيارهم، كما يشير إليه قو له تعالى: ﴿ .. بَل طَبَع اللهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ (¬١) .. ﴾ وقوله: ﴿ … كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ (¬٢)﴾. وقوله: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (¬٣)﴾
ونقل ابن كثير عن ابن جرير الطبرى في تفسير الآية أنه قال: والحق عندي في ذلك ما صح في نظيره الخبرُ عن رسوال الله ﷺ وساق ابن جريرهذا الخبر بسنده عن ابى هريرة قال: قال رسول الله- ﷺ: "إن المؤمن إذا أذنب ذنبا كانت نكتةٌ سوداءُ في قلبه، فإن تاب ونَزَع واسْتَعْتَبَ (¬٤) صُقِل قلبُه (¬٥) وإن زاد زادت حتى تعلُوَ قلبه، فذلك الرانُ الذي قال الله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (¬٦)﴾.
قال ابن كثير: ثم قال ابن جرير: فأخبر رسول الله- ﷺ، أن الذنوب إذا تتابعت على القلوب اغلقتها، وإذا أغلقتها أتاها حينئذالختم والطبع من قبل الله، فلا يكون للإيمان إليها مسلك؛ ولاللكفر عنها مخلص، فذلك هو الختم في قوله تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ … ﴾ الآية: انتهى باختصار.
وخلاصة كلامه وكلامنا أن الكافر هو الذى تسبب في إظلام قلبه حتى انصرف عن الإيمان، وأن الرين هو ذلك الظلام المعنوي الذي حَجَبَ قلبه، بسبب انصر افه عن دواعى الإيمان، وان نسبة الختم إلى الله كناية عن تركه لهذا الظلام دون أَن يكشفه حتى يدخل الهدى في قلبه، بسبب إصراره.