﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ﴾ مبتدأ وخبر، وجاز أن يكون «ويل» مبتدأ وإن كان نكرة، لأن في الكلام معنى الدعاء، كقولهم: سلام عليكم.
﴿بَلى﴾ حرف يأتي في جواب الاستفهام في النفي، و «نعم» يأتي في جواب الاستفهام في الإيجاب. فإذا قال: ألست فعلت كذا؟ فجوابه: بلى، أي إني قد فعلت، كقوله تعالى: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟ قالُوا: بَلى﴾ [الأعراف ١٧٢/ ٧] أي بلى أنت ربّنا، ولو قالوا: نعم، لكفروا، لأنه يصير المعنى: نعم لست ربّنا. وإذا قال في الإيجاب: هل فعلت؟ فجوابه: نعم، كقوله تعالى: ﴿فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا؟ قالُوا: نَعَمْ﴾ [الأعراف ٤٤/ ٧]. ﴿مَنْ كَسَبَ﴾ من شرطية مبتدأ، والفاء في «أولئك» جواب الشرط، و ﴿فَأُولئِكَ﴾ مبتدأ ثان، و ﴿أَصْحابُ النّارِ﴾ خبره، والجملة من المبتدأ الثاني وخبره خبر المبتدأ الأول وهو ﴿مَنْ﴾. و ﴿هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ جملة اسمية حال من ﴿أَصْحابُ﴾ أو من ﴿النّارِ﴾. و ﴿فِيها﴾ في موضع نصب، وتقديره: خالدون فيها.
البلاغة:
تكرار ﴿فَوَيْلٌ﴾ ثلاث مرات في الآية (٧٩) للتوبيخ والتقريع وتقبيح جريمتهم وهي التحريف.
﴿وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ استعار لفظ الإحاطة لغلبة السيئات على الحسنات، حيث شبه الخطايا بجيش من الأعداء نزل بقوم من كل جانب.
المفردات اللغوية:
﴿فَوَيْلٌ﴾ الويل: شدة العذاب والهلاك، أو واد في جهنم ﴿بِأَيْدِيهِمْ﴾ أي مختلقا من عندهم ﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً﴾ من الدنيا، وهم اليهود غيّروا صفة النبي في التوراة، وآية الرجم، وغيرهما، وكتبوها على خلاف ما أنزل. ﴿مِمّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ من المختلق، ﴿مِمّا يَكْسِبُونَ﴾ من الرشا: جمع رشوة.
﴿لَنْ تَمَسَّنَا﴾ تصيبنا ﴿إِلاّ أَيّاماً مَعْدُودَةً﴾ قليلة أربعين يوما مدة عبادة آبائهم العجل.
﴿أَتَّخَذْتُمْ﴾ حذفت منه همزة الوصل، استغناء بهمزة الاستفهام ﴿عَهْداً﴾ ميثاقا منه بذلك. ﴿أَمْ تَقُولُونَ.﴾. بل.
﴿كَسَبَ سَيِّئَةً﴾ المراد بها هنا الكفر أو الشرك. ﴿وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ بالإفراد
والجمع، أي استولت عليه وأحدقت به من كل جانب، بأن مات مشركا ﴿فَأُولئِكَ﴾ روعي فيه معنى: من.
سبب النزول:
نزلت الآية (٧٩)
في أهل الكتاب كما قال ابن عباس، أو في أحبار اليهود كما قال العباس: «الذين غيّروا صفة النّبي ﷺ وبدلوا نعته»، وكانت صفته في التوراة: أكحل، أعين، ربعة، جعد الشعر، حسن الوجه، فمحوه حسدا وبغيا، وقالوا: نجده طويلا أزرق، سبط الشعر.
ونزلت الآية (٨٠)
كما
قال ابن عباس: قدم رسول الله ﷺ المدينة، ويهود تقول: إنما مدة الدنيا سبعة آلاف سنة، وإنما يعذب الناس في النار، لكل ألف سنة من أيام الدنيا يوم واحد في النار من أيام الآخرة، فإنما هي سبعة أيام، ثم ينقطع العذاب، فأنزل الله في ذلك: ﴿وَقالُوا: لَنْ تَمَسَّنَا النّارُ﴾ إلى قوله ﴿خالِدُونَ﴾. وروى الطبري عن ابن عباس: أن اليهود قالوا: لن ندخل النار، إلا تحلة القسم، الأيام التي عبدنا فيها العجل أربعين ليلة، فإذا انقضت، انقطع عنا العذاب، فنزلت الآية (¬١)
التفسير والبيان:
الهلاك والعذاب الشديد أو العقوبة العظيمة لمن حرفوا التوراة، وكتبوا الآيات المحرفة بأيديهم، وغيّروا صفة النّبي ﷺ التي كانت مكتوبة عندهم في التوراة، والعذاب أيضا لهم لأخذ الرشوة وفعلهم المعاصي، ونسبتهم الافتراءات إلى الله تعالى، ليأخذوا بهذا الكذب أو الافتراء ثمنا دنيويا حقيرا من مال أو رياسة أو جاه، فويل لهم مما كسبوا، لأنه كانت لليهود جنايات ثلاث: تغيير
صفة النّبي ﷺ، والافتراء على الله، وأخذ الرشوة، فهددوا على كل جناية بالويل والهلاك.
ومن مزاعم اليهود: ادعاؤهم أن النار لا تمسهم إلا في أيام قليلة معدودة، هي أربعون يوما مدة عبادتهم العجل، وأكثر اليهود على أن النار تمسهم سبعة أيام فقط، لأن عمر الدنيا في زعمهم سبعة آلاف سنة، فمن عذب في النار ولم يحظ بالنجاة، يمكث في النار سبعة أيام عن كل ألف سنة يوم. فرد الله عليهم: هل عهد بذلك ربكم إليكم، ووعدكم به وعدا حقا، فلن يخلف الله وعده، أم أنتم تقولون على الله شيئا لا علم لكم به؟ أي أن مثل ذلك القول لا يصدر إلا عن عهد من الله، أو افتراء وتقوّل عليه، وبما أنه لم يحدث العهد من الله وهو الوحي والخبر الصادق، فأنتم كاذبون في دعواكم، مفترون حين تدعون أنكم أبناء الله وأحباؤه.
وقد أكدت السّنّة دعواهم في النجاة من النار بعد أيام قليلة.
روى الإمام أحمد والبخاري والنسائي عن الليث بن سعد، والحافظ بن مردويه والبخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: «لما فتحت خيبر، أهديت لرسول الله ﷺ شاة فيها سمّ، فقال رسول الله ﷺ: اجمعوا لي من كان من اليهود هنا، فقال لهم رسول الله ﷺ: من أبوكم؟ قالوا: فلان، قال: كذبتم، بل أبوكم فلان، فقالوا: صدقت وبررت. ثم قال لهم: هل أنتم صادقيّ عن شيء إن سألتكم عنه؟ قالوا: نعم، يا أبا القاسم، وإن كذبناك عرفت كذبنا، كما عرفته في أبينا، فقال لهم رسول الله ﷺ: من أهل النار؟ فقالوا: نكون فيها يسيرا، ثم تخلفونا فيها، فقال لهم رسول الله ﷺ: اخسؤوا، والله لا نخلفكم فيها أبدا. ثم قال لهم رسول الله ﷺ: هل أنتم صادقيّ عن شيء إن سألتكم عنه؟ قالوا: نعم يا أبا القاسم، قال: هل جعلتم في هذه الشاة سما؟ فقالوا: نعم، قال: فما حملكم على ذلك؟ فقالوا: أردنا إن كنت كاذبا أن نستريح منك، وإن كنت نبيا لم يضرّك».