وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ﴾ [الزخرف ٤٤/ ٤٣] وقال تعالى هنا: ﴿وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ...﴾.
فإن رأى العرب تمسك اليهود بفرقان موسى، فهم أجدر بالتمسك بكتابهم فرقان محمد ﷺ.
أما أوصاف المتقين فهي واحدة قديما وحديثا، ذكر تعالى منها هنا وصفين: خشية الله تعالى في السر أي وفي العلن، والخوف من يوم القيامة وأهوالها، وما يجري فيها من الحساب والسؤال قبل التوبة.
وختمت الآيات ببيان الهدف الجوهري منها: وهو التعجب من إنكار العرب للقرآن، وهو كلام الله تعالى، بدليل أنه معجز لا يقدرون على الإتيان بمثله، ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد.
﴿إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ﴾﴿إِذْ﴾: ظرف في موضع نصب يتعلق بآتينا وتقديره:
آتينا إبراهيم رشده في وقت قال لأبيه.
﴿عَلى ذلِكُمْ﴾ متعلق بمحذوف مقدر، يدل عليه ﴿مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ ويفسره. ولا يجوز تعلقه به؛ لأنه لا يجوز تقديم الصلة ومعمولها على الموصول.
المفردات اللغوية:
﴿رُشْدَهُ﴾ الرشد: الاهتداء لوجوه الخير والصلاح في الدين والدنيا، قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ﴾ [النساء ٦/ ٤] وقرئ أيضا ﴿رُشْدَهُ﴾.
ومعنى إضافة الرشد لإبراهيم: أنه رشد مثله، وأنه رشد له شأن. ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ أي من قبل موسى وهارون ﵉. ﴿وَكُنّا بِهِ عالِمِينَ﴾ أي علمنا منه أنه أهل لما آتيناه، أو جامع لمحاسن الأوصاف ومكارم الخصال. وفيه إشارة إلى أن فعله تعالى باختيار وحكمة، وأنه عالم بالجزئيات.
﴿التَّماثِيلُ﴾ الأصنام، جمع تمثال: وهو الصنم، والتمثال: اسم للشيء المصنوع المضاهي خلق الله تعالى، كإنسان أو حيوان أو شجر، سمى الأصنام بالتماثيل تحقيرا لشأنها وتصغيرا لها، مع علم إبراهيم بتعظيمهم وإجلالهم لها. وفرق بعضهم بين الصنم والوثن بأن الصنم: المصنوع من المعدن القابل للتمدد بالنار، والوثن: المصنوع من الخشب أو غيره.
﴿أَجِئْتَنا بِالْحَقِّ﴾ أي بالشيء الثابت في الواقع. ﴿اللاّعِبِينَ﴾ الهازلين. ﴿بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي ربكم المستحق للعبادة هو مالك السموات والأرض. ﴿فَطَرَهُنَّ﴾ خلقهن
وأبدعهن على غير مثال سبق. ﴿وَأَنَا عَلى ذلِكُمْ﴾ الذي قلته. ﴿مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ به المتحققين صحته، والمبرهنين عليه، فإن الشاهد: من تحقق الشيء وحققه.
﴿لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ﴾ لأجتهدن في كسرها. والكيد في الأصل: الاحتيال في الإضرار، والمراد هنا: المبالغة في إلحاق الأذى بها. ﴿فَجَعَلَهُمْ﴾ بعد ذهابهم إلى مجتمعهم في يوم عيد لهم.
﴿جُذاذاً﴾ قطعا أو فتاتا، من الجذ، أي القطع. ﴿إِلاّ كَبِيراً لَهُمْ﴾ للأصنام، كسر غيره، واستبقاه، وجعل الفأس على عنقه. ﴿لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ﴾ أي إلى الكبير. ﴿يَرْجِعُونَ﴾ فيروا ما فعل بغيره.
المناسبة:
هذه هي القصة الثانية من قصص الأنبياء في هذه السورة تسلية للرسول ﷺ، ليتأسى بهم في الصبر والجهاد في سبيل الله والدعوة إلى الدين الحق ومعاداة المشركين.
التفسير والبيان:
﴿وَلَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ.﴾. أي والله لقد آتينا إبراهيم رشده، أي هديناه إلى ما فيه الخير والصلاح، من قبل موسى وهارون أو من قبل النبوة، ووفقناه إلى توحيد الله، ومعاداة عبادة الأصنام؛ لأنها لا تنفع ولا تضر، ولا تسمع ولا تبصر، وما هي إلا حجر أو معدن أو خشب صنعها أبوه أمامه بالقدوم، وكنا عالمين بأنه أهل للنبوة، وجامع لمحاسن الأخلاق. والرشد: إما النبوة وإما الأهلية للخير والصلاح في الدين والدنيا.
قال القرطبي: وعلى الأول أكثر أهل التفسير.
﴿إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ: ما هذِهِ التَّماثِيلُ.. ؟﴾﴿إِذْ﴾: إما أن يتعلق بآياتنا أو برشده، أو بمحذوف، أي اذكر من أوقات رشده هذا الوقت. أي آتيناه الرشد حين أنكر على قومه عبادة الأصنام من دون الله ﷿، فقال:
ما هذه التماثيل أي الأصنام التي أنتم مقيمون على عبادتها وتعظيمها؟