وفي البحر لأَبي حيان: أَن هذه القصة سئل عنها الإِمام محمد بن إِسحاق جامع السيرة النبوية فقال: إِنها من وضْع الزنادقة، وصنف في ذلك كتابا.
أَما القول بأَن الشيطان أَجراها على لسان النبي ﷺ، فهو أَفحش ما يقوله زنديق، وأَوهن من بيت العنكبوت، فلا يصح أَن يجبره الشيطان عليها، لأَنه ليس له سلطان على عباد الله الصالحين، فكيف يكون له سلطان على رسوله، ولا يصح أَن يكون أَجراها على لسانه سهوا وغفلة، لأَنه لا تجوز على الرسول الغفلة والسهو في تبليغ الوحى، ولو جاز عليه مثل ذلك لبطل الاعتماد على قوله، وكل ذلك مستحيل عقلا، كما أَنه مستحيل شرعًا، لقوله تعالى:
بينت الآيات السابقة أَن أَهل مكة سَعْوا في آيات الله معاجزين. وأَن الله تعالى سلَّى نبيه ﷺ، عن عدائهم للقرآن بأَنه ليس أَوْحَدِيًّا في عداءِ الكفار لما جاءَ به، فما أَرسل الله قبله رسولا ولا نبيًّا، إِلا إِذا تمنى إِيمان قومه، سعى شياطينهم في إِفساد أُمنيته، بإلقاءِ الشُّبه فيما جاءَهَم به، وأَنه تعالى كان يبطل ما يلقيه أُولئك الشياطين من الشبه، بما ينزله محكما في رد شبهاتهم، وأَن وقوف الشياطين في سبيل الحق ابتلاءٌ من الله لأُمم الأَنبياءِ، فبه يظهر المنافقون وصرحاءُ الكافرين على حقيقتهم لأَنبيائهم ورسلهم فيحذرونهم ويكافحونهم، وبه يعرف المؤْمنون المطمئنون للحق - بينت الآيات السابقة ذلك - وجاءَت هذه الآية لتسجل على شياطين الكافرين من أَهل مكة عنادهم في كفرهم، وأَنهم لا يزالون في غمرة من الشك بسبب القرآن، لا يخرجهم منها إلا مجئُ الساعة فجأَة. أَو عذاب يوم لا مَثِيلَ له في شدته فَيَفِيقون من شكِّهم.
والمعنى: ولا يزال شياطين قريش في شك من القرآن أَو من الرسول، يجعلهم يقفون في سبيله ويُحَرِّضون أَتباعهم على الكفر به، حتى تأْتيهم ساعة الفناءِ فجأة، أَو يأْتيهم عذاب يوم عقيم لا يستعقب خيرا، أَو لا مثيل له في شدته، فهو في ذلك يشبه المرأَة العقيم التي لا تلد ولا تترك عقبا خلفها، أَو كالريح العقيم: ﴿مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾ (¬١) ولا تترك خلفها زرعا ولا ضرعا.
والمراد باليوم العقيم: يوم بدر، فقد كان كارثة حلَّتْ بصناديد قريش وشياطينهم، في أَول لقاءٍ لهم مع من أَخرجوهم من ديارهم، فقد قتل منهم سبعون، وأُسر سبعون، ونَاحَتْ نساءُ قريش على قتلاهم شهرا.
وفسره بعض العلماءِ بيوم القيامة، حيث يُجْزَى الكافرون بما كانوا يقترفون، وفسره آخرون بيوم موت كل واحد منهم، ولعل أَنسب الآراءِ بالآية التالية هو يوم القيامة، ففيه يتفرد الله بالملك مَظْهرا، كما هو متفرد به حقيقة.
الملك يوم تأْتيهم الساعة أَو عذابها، لله وحده بلا شريك فيه حقيقة أَو صورة، فليس لأَحد فيه تصرف في أَمر من الأُمور، لا حقيقة ولا مجازًا، ولا صورة ولا واقعا، فكل شيءٍ فيه إِلى الله، حتى الشفاعة لا تكون لأَحد: ﴿إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ (¬١) فالله تعالى هو الذي يحكم فيه بين عباده، فالذين آمنوا وعملوا الصالحات في دنياهم، مقرهم في جنات النعيم.
والذين كفروا في دنياهم وكذبوا بآيات الله الكونية أَو التنزيلية، فأُولئك لهم عذاب دائم الإِهانة والإذلال ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ ثم خص الله بعض الفريق الأَول بمزية، وهم المجاهدون في سبيل الله فقال:
أَي: والذين هجروا أَوطانهم في سبيل الله تعالى، ثم قتلوا أَثناءَ جهادهم، أَو ماتوا حتف أُنوفهم (¬٢) في هجرتهم بنحو مرض أَو سكتة قلبية، ليرزقنهم الله الذي هجروا أَوطانهم