منزلًا ومُقامًا. وإذا ضُمتِ الميمُ من المُقامِ فهو من الإقامةِ، وإذا فُتحت فهو من: قُمتُ. ويقال: المَقامُ إذا فُتحتِ الميمُ أيضًا هو المجلسُ. ومن المُقامِ بضمِّ الميمِ بمعنى الإقامةِ، قولُ سلامةَ بن جندلٍ (¬١):
يقول تعالى ذكرُه: والذين إذا أنفَقوا أموالَهم لم يُسرفوا في إنفاقِها.
ثم اختَلف أهلُ التأويلِ في النفقةِ التي عناها اللهُ في هذا الموضعِ، وما الإسرافُ فيها (¬٥) والإقتارُ؛ فقال بعضُهم: الإسرافُ ما كان من نفقةٍ في معصيةِ اللهِ وإن قَلَّت.
قال: وإياها عنى الله وسمَّاها إسرافًا. قالوا: والإقتارُ المنعُ من حقِّ اللهِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ
قولَه: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾. قال: هم المؤمنون، لا يُسْرفون فيُنفقوا في معصيةِ اللهِ، ولا يَقْترون فيَمنعوا حقوقَ اللهِ تعالى (¬١).
حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا ابن يمانٍ، عن عثمانَ بن الأسودِ، عن مجاهدٍ، قال: لو أنفَقتُ مثلَ أبي قُبيسٍ ذهبًا في طاعةِ اللهِ ما كان سَرَفًا، ولو أنفقتُ صاعًا في معصيةِ اللهِ كان سَرَفًا (¬٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال قولَه: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾. قال: في النفقةِ فيما نهَاهم، وإن كان درهمًا واحدًا، ﴿وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾: ولم يَقْصُروا عن النفقةِ في الحقِّ (¬٣).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قولِه: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾. قال: لم يُسرفوا فيُنفقوا في معاصى اللهِ؛ كلُّ ما أُنفِق في معصيةِ اللهِ، وإن قلَّ، فهو إسرافٌ، ولم يقتُروا فيُمسكوا عن طاعةِ اللهِ. قال: وما أُمْسِك عن طاعةِ اللهِ، وإن كثُر، فهو إقتارٌ (¬٤).
قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبَرني إبراهيمُ بنُ نَشِيطٍ، عن عمرَ مولى غُفْرةً،
أنه سُئل عن الإسرافِ ما هو؟ قال: كلُّ شيءٍ أنفَقتَه في غيرِ طاعةِ اللهِ فهو سَرَفٌ (¬١).
وقال آخرون: السَرَفُ المجاوزةُ في النفقةِ الحدَّ، والإقتارُ التقصيرُ عن الذي لا بدَّ منه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا عبدُ السلامِ بنُ حربٍ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ قولَه: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾. [قال: لا يُجِيعُهم] (¬٢)، ولا يُعْرِيهم، ولا يُنفِقُ نفقةً يقولُ الناسُ: قد أسْرَف (¬٣).
حدَّثني سليمانُ بنُ عبدِ الجبارِ، قال: ثنا محمدُ بنُ يَزِيدَ بن حُنَيْسٍ (¬٤) أبو عبدِ اللهِ المخزوميُّ المكيُّ، قال: سَمِعْتُ وُهَيْبَ بنَ الوَرْدِ بن أَبي (¬٥) الوَرْدِ مولى بني مخزومٍ، قال: لقِى عالمٌ عالمًا هو فوقَه في العلمِ، فقال: يَرْحَمُك اللهُ، أخْبِرْني عن هذا البناءِ الذي لا إسرافَ فيه، ما هو؟ قال: هو ما ستَرَك مِن الشمسِ، وأكنَّك مِن المطرِ. قال: يَرْحَمُك اللهُ، فأَخْبِرْني عن هذا الطعامِ الذي نُصِيبُه لا إسرافَ فيه، ما هو؟ قال: ما سدَّ الجوعَ ودونَ الشِّبَعِ. قال: يَرْحَمُكَ اللهُ، فَأَخْبِرْني عن هذا اللِّباسِ الذي لا إسرافَ فيه، ما هو؟ قال: ما ستَر عورتَك، وأَدْفَأك (¬٦) مِن البردِ (¬٧).